التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من 2013

في وداع أفعى

كان الخوف كل الخوف من أن تلتهم تلك الأفعى التي زارت عالمنا منذ نحو سنة ما تبقى من أحلامنا، لكن موعد رحيلها يقترب دون أن يحدث ذلك، وفي غمرة الرحيل هذه لم ننتبه إلا إلى الجانب المخيف من هذا المخلوق العجيب. الخير شوار ذلك الحيوان الزاحف الذي لم يُقطع رأسه منذ البداية، يستعد الآن للرحيل ولا يأبه بمن يحاول قطع ذيله. هي بالفعل حيوان بدم بارد لم تتردد في قتل كثير من الأحلام في هذه السنة التي ارتبطت بها دون أي تردد. ورغم صورتها القاتمة في مخيال الشعوب فهي رمز للحقيقة العارية، حيث لا ينفع معها سحر الساحرين، وعصى النبي موسى عليه السلام لتحوّلت بمعجزة إلهية إلى ثعبان ابتلع حيّات سحرة فرعون، وهي العصا التي كان يهش بها على غنمه ويتوكأ عليه وكانت له فيها مآرب أخرى. والأفعى التي تحمل في لسانها السم القاتل، قد تتحول في لحظة ما إلى الطبيب المداوي، والميثولوجيا اليونانية تركد لنا أن الشفاء عادة ما يكون في سمّها ولا عجب إن وجدنا كل الصيدليات وسيارات الإسعاف في عالمنا المعاصر تحمل رمز الأفعى، وقد أثبت العلم أن سم الأفعى والثعبان القاتل يمكن أن يتحوّل إلى دواء يحيي الميكروبات ويحيي الأجسام ا

هل أعاد كاتب ياسين كتابة مأساة "البوغي" روائيا؟

هي "أسطورة" الروائي والمسرحي الراحل كاتب ياسين وقد كتبت في عز اشتعال الثورة التحريرية (سنة 1956)، التي تحيل إلى أسطورة أخرى من التراث الموسيقي، وهي الحكاية التي تأخذ أشكالا مختلفة، لكن جوهرها يكاد يكون واحدا في كل الحالات. كاتب ياسين الخير شوار قيل إن رواية "نجمة" ظل صاحبها كاتب ياسين يكتبها بأشكال مختلفة، سردا وشعرا ومسرحا، لكن الملاحظ أنها استمرت بعد موته تكتب بأشكال جديدة، ولعل آخرها ما أخرجه الفنان أحمد بن عيسى الذي أعطاها رؤية جديدة تجسدت مسرحيا مع بداية الاحتفال بميلاد المسرح الوطني الجزائري وبقيت تعرض في مختلف المسارح الجهوية، وعن هذه التجربة يقول الفنان أحمد بن عيسى إنه حرص على تقديمها باللغة المحكية المحلية "لتكون قريبة من الجمهور" ووفاء لروح كاتبها الذي يعشق لغة الجماهير. وبقدر ما ظلت نجمة حاضرة في المشهد الثقافي الجزائري على مدى سنين طويلة، بقدر ما ظلت غامضة غموض الرواية الأصلية المستعصية على القراءة وهي التي كتبت باللغة الفرنسية وترجمت بصيغ مختلفة أكثر من مرة، آخرها ما أنجزه المترجم والكاتب السعيد بوطاجين والصادر عن منشورات الاخ

أليس مونرو وانتقام تشيخوف

ربما كان أنطوان تشيخوف يشعر بعقدة ذنب تجاه القصة القصيرة الذي ساهم في ابتكارها وتطويرها رفقة الفرنسي غي دي موباسان والأميركي إيغار ألان بو.   الخير شوار لقد حاول في البداية استثمار ذلك الفن الذي تطور مع الصحافة من أجل ربح قليل من المال، لكنه سرعان ما وقع في أسره واتجه عموديا بحثا عن قارئ مثالي عوضا عن أفقية قارئ الجرائد الذي لا يبذل أي جهد ولا يتعامل مع القصة في النهاية إلا كحادثة اجتماعية بسيطة مثل تلك التي تمتلئ بها وسائل الإعلام في كل مكان وزمان على أن تستسلم تلك الحكايات للنسيان. ولم يبتعد تشيخوف عن "القارئ العادي" إلا ليصبغ صفة الفن والتميز على القصة القصيرة التي ولدت من رحم الحكاية لكنها تختلف بشكل جذري عن الفن الروائي الذي تطور قبل ذلك على يد سيرفنتس. ورغم أن كثيرا من المشتغلين بالحقل السردي أيام تشيخوف وبعده، عمدوا إلى المقارنة بين هذا الفن وذاك، إلا أن القص كما فهمنا من معلمه الأول لا يطمح لأخذ مكان أي فن، ولو أنه حاول استثمار عنصر السرعة والمفاجأة ليبرز أكثر من غيره، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان واستعادت الرواية المحافظة على أرستقراطيتها تاجها وأصبحت

من «زمن النمرود» إلى «الموت في وهران».. «لغات» الحبيب السائح

الحبيب السائح، لا يكتب مجرد حكاية جديدة مع كل إصدار جديد، بل ينحت عالما جديدا بعوالمه وحتى بلغته. هو لا يستعمل اللغة نفسها بل يعمد في كل مرة إلى إعادة اختراعها، كأنه «يعرب بن قحطان» يخرج من كل مرة من برج بابل لينحت «لغاته» التي لا تكاد تنتهي، ومنها لغة «الموت في وهران» الصادرة حديثا عن «دار العين للنشر» بالقاهرة .   غلاف رواية "الموت في وهران"  الخير شوار هو الثراء اللغوي الذي ينطلق –ربما- من هاجس يقول إن «رصيدنا اللغوي منهوب تاريخيا»، ويضيف: « إن رهاني ظل ولا يزال قائما على حدّ اللغة في أبعادها القاموسية والنحوية والصرفية والمجازية. فإني لست منشغلا كثيرا بالسيطرة على الموضوع ولا بإتقان الحبكة (وأنا، للتذكير، لست كاتب حبكة) قدْرَ انشغالي بالقاموس الذي يجب أن يسمي لي الأشياء ـ كل الأشياء ـ وتفاصيلها التي تواجهني لحظة الكتابة لتجسيد مشهد ما. هنا مشقة الكتابة بالعربية في الجزائر. لا شيء تقريبا يأتيني ـ أو يأتيك ـ إلا بعد ترجمته من لغة الأم أو من لغة أخرى أجنبية؛ لأن رصيدنا اللغوي منهوب تاريخيا وهو الآن يواجه مزاحمة شرسة جدا. أؤكد لك أننا لا نكتب في الجزائر إلا عبر ا

هيستيريا موراكامي

هل سمعتم يوما عن مرض "هستيريا سيبيريا"؟ لقد قرأت عنه في رواية "جنوب الحدود.. غرب الشمس" ولا ادري إن كان الامر حقيقة أم محض اختلاق من كاتبها الياباني هاروكي موراكامي. الخير شوار يقول المؤلف على لسان بعض شخوصه إن هناك مرضا يصيب الفلاحين في تلك المنطقة الباردة المتجمدة قرب روسيا، عندما لا يرى الفلاح مع شروق الشمس إلا الأفق في كل الاتجاهات ولا تزول حيرته عندما تصبح الشمس عمودية ليعود إلى بيته. ويتوقف الفلاح عن عمله في الشتاء البارد وعندما يأتي الربيع يصبح هم الواحد مراقبة حركة الشمس تلك في مدارها اليومي، ليلقي بمحراثه ثم يبدأ مسيرة نحو غرب الشمس أو هكذا يُخيل له ويواصل المسير إلى أن يموت منهارا. ما أشبه ذلك الفلاح السيبيري المسكين بدون كيشوت دو لامانشا حسبما رواه جدنا الروائي الأول سيرفانتيس دولامانشا عن رجل مغاربي لا ندري إن كان حقيقة أو من خياله هو أحمد بن الإيلي، وهو يصور الوقائع المأساوية ذلك الشخص الذي "جفّ عقله" من كثرة قراءاته لحكايات الفروسية، وراح رفقة حماره وتابعه سانشو يصارع طواحين الهواء وهو يتصورها جيوشا جبارة. وما أشبه نهاية ذلك الف

العام الرابع بعد الطاهر وطار

لقد مرّت ثلاث سنوات ونحن ندخل السنة الرابعة لما بعد الطاهر وطار. ثلاث سنوات غاب عنها «حسه» وغابت مشاكساته مع مختلف الأجيال، لكننا عندما نستعيده نشعر كأن الزمن ثابت في لحظة معينة وعمي الطاهر يحافظ على تجدده كأنه بيننا . الطاهر وطار الخير شوار عندما نقرأ حواراته الكثيرة، نكتشف أننا أمام راء، يقرأ المستقبل لا في الكف ولا في الفنجان، وإنما ببصيرة نادرة. ولأنه مقيم في المستقبل فقد شيّد بوسائله الخاصة «قبرا رقميا» هو عبارة عن موقع إلكتروني صمّمه باسم وقد كان متحكما حد الدهشة في اللغة الرقمية، وعندما انتهى منه كتب على «شاهده»: «أشعر وأنا انهمك في إعداد هذا المزار، أني أعّد قبرا شبيها بقبور الفراعنة الغاية أن نتواصل مع الآخرين عبر الزمن»، وقد كتب هذه العبارات سنوات قبل أن يفاجئه المرض سنة 2008. والموقع الإلكتروني لعمي الطاهر وإن كانت التقنية التي أنجزها به، قد تجاوزها الزمن، إلا أنه يحافظ على هيبته تماما «كقبور الفراعنة» كما قال هو، وعندما أفتحه أكاد أكلمه وأقول «مساء الخير عمي الطاهر» واستعد لجلسة نقاش معه قد تطول وقد تقصر، وقد يفاجئني خلالها بأفكار مثل تلك التي كان يطرحها وأنا أز

القعدة العاصمية على أصولها.. «قهوة البهجة» تحيي تقاليد العنقى

في المنطقة المسماة «قاع السور»، عند البوابة الشرقية لحد باب الواد بالجزائر العاصمة، وغير بعيد عن «الملاهي» حيث يمرح الاطفال عند شاطئ البحر في ليالي رمضان، لا بد للعابر من هناك باتجاه باب الواد أو القادم منها أن تلفت انتباهه مقهى ليست ككل المقاهي. إنها «مقهى البهجة» أو «قهوة الصاص» كما تسمى شعبيا، نسبة إلى مؤسسها وصاحب الأصلي الراحل عبد القادر صاص، والذي تمكن من خلالها من إحياء تقليد قديم، يتمثل في إحياء سهرات موسيقية شعبية طيلة أيام رمضان، إضافة إلى المداومة على إحياء سهرات أيام الخميس ولجمعة من كل اسبوع سائر الأشهر الاخرى من السنة. روبورتاج: الخير شوار غير بعيد عن المقر العام المديرية العامة للأمن الوطني، يقع شارع صغير يحمل اسم «إيكوزيوم»، الذي يحيل إلى «أسطورة» تأسيس مدينة الجزائر، قبل الميلاد عندما قيل أن هرقل الإمبراطور البيزنطي الشهير مر من هنا، غير أن الشواهد التاريخية تقول إن أصل التسمية مشتق من «ايكوزيم» الفينيقية، حيث أسسها الفينيقيون في القرن الثالث قبل ميلاد المسيح. عند ذلك الشارع الصغير، تقع قهوة البهجة التي استقطبت الانظار وأصبح الناس يأتونها من كل مكان بحثا م