Loading...

08 أكتوبر, 2009

السينما الجزائرية تتكئ على الرواية مرة أخرى

السينما الجزائرية، وصفت كثيرا بالمناضلة، وقد وجدت ضالتها في الكثير من النصوص الروائية التي واكبت مراحل تطورها، ويبدو أن العلاقة مستمرة رغم تغير المعطيات التاريخية، ورواية «فضل الليل على النهار»، لن تكون الأخيرة في هذا السياق.

الخير شوار

المخرج الفرنسي «ألكسندر أركادي» وصل إلى مرحلة متطورة من العمل على فيلم فرنسي ـ جزائري، هو في الأصل رواية بالفرنسية كتبها محمد مولسهول المعروف باسم «ياسمينة خضرا». الفيلم يحمل اسم «فضل الليل على النهار»، وينتظر أن يعرض السنة القادمة، وهو من إنتاج فرنسي ـ جزائري مشترك، يتناول حقبة الثلاثينات من القرن العشرين، الفترة التي عرفت احتفال فرنسا الكبير بمناسبة الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر سنة 1930، كما شهدت بروز الحركة الوطنية الجزائرية وأثمرت ميلاد جبهة وجيش التحرير الوطني الجزائري الذي قاد ثورة الاستقلال بداية من الفاتح نوفمبر (تشرين الثاني) 1954.

كتب سيناريو الفيلم وحواراته «دانيال سانت أمو»، وهو فرنسي من مواليد مدينة معسكر الجزائرية. القصة تروي حياة «يونس» الذي نشأ بين طائفة «الأقدام السوداء». وهم الأوروبيون الذين عاشوا في الجزائر زمن الاحتلال الفرنسي قبل هجرتهم الجماعية أثناء الاستقلال والسنوات القليلة التي أعقبته. ونتيجة لظروف خاصة يجد يونس نفسه بين المعمرين وهو طفل، فيتم تعميده مسيحيا، ويغير اسمه إلى «جوناس»، ليعيش بعد ذلك قصة حب مع «إيميلي». وتصل محنة يونس (جوناس) مداها عندما يعيش تمزقا حقيقيا أثناء الحرب التحريرية. وهو المحور الذي تدور حوله أحداث تعالج قضية الثورة من منظور غير مسبوق في تاريخ السينما الجزائرية. وينتظر أن تشارك الفنانة الفرنسية من أصول جزائرية «إيزابيل أدجاني» في بطولة الفيلم الذي يصور في بعض مناطق الجزائر مثل وهران وعين تموشنت.

صاحب الرواية محمد مولسهول يدير حاليا «المركز الثقافي الجزائري» في فرنسا، ويثير الجدل دائما. منذ أن كان عسكريا اتخذ له اسما مستعارا حتى اعتقد الكثير من قرائه أنه امرأة، ولم يتخل عن الاسم الذي أعطاه شهرته العالمية، عندما كشف شخصيته الحقيقية. وبتحول روايته إلى فيلم يكون مولسهول قد حقق حلما طالما راود الكثير من الكتاب الروائيين، لكنه في المقابل ليس الروائي الجزائري الأول الذي يحول أحد نصوصه إلى الشاشة الكبيرة. فالسينما الجزائرية منذ نشأتها الأولى استعانت كثيرا بالنصوص السردية لكتاب معروفين، ومن ذلك الكاتب والباحث البارز في الثقافة الأمازيغية الراحل مولود معمري، الذي تحولت اثنتان من رواياته إلى السينما، أولاها «الأفيون والعصا» التي تحكي حرب التحرير الجزائرية انطلاقا من إحدى القرى في منطقة القبائل، وأخرجها للسينما سنة 1969 أحمد راشدي، في واحد من أشهر وأنجح الأفلام الجزائرية التي تناولت ثورة التحرير. ثم هناك رواية «الربوة المنسية» التي أخرجها عبد الرحمن بوقرموح في تسعينات القرن العشرين، وتحكي مأساة إنسانية زمن الحرب العالمية الثانية، وكان الدكتور طه حسين قد كتب عنها وأشاد بها كثيرا عندما قرأها في أصلها المكتوب بالفرنسية منذ زمن طويل.

من الأعمال الروائية الجزائرية التي تحولت إلى السينما «ريح الجنوب» للراحل عبد الحميد بن هدوقة، أخرجها محمد سليم رياض منتصف سبعينات القرن العشرين، وهي من النصوص المؤسسة للرواية الجزائرية بالعربية، وتتناول مشكلة فتاة متعلمة في بيئة متخلفة والصراع بين العلم والخرافة. الروائي نفسه اتفق بعد ذلك مع المخرج العربي الشهير صلاح أبو سيف على تحويل رواية أخرى له إلى السينما وهي «نهاية الأمس»، لكن ظروفا قاهرة ألغت المشروع على الرغم من تحمس أبو سيف الشديد للعمل حينها. وعلى رغم شهرته الواسعة وعلاقاته الكبيرة، لم يحظ الروائي الطاهر وطار بتحويل نصوصه السردية إلى السينما إلا مع «نوّة»، وهي قصة قصيرة من بداياته الأدبية التي نشرها ضمن أولى مجموعاته القصصية «دخان من قلبي» وأخرجها عبد العزيز طولبي الذي هاجر بعد ذلك إلى فرنسا واشتغل في أشهر قنواتها التلفزيونية. وعلى عكس الطاهر وطار فإن رشيد بوجدرة لم تنل نصوصه الروائية حظها من السينما، لكنه يبقى واحدا من أهم الروائيين الذين اشتغلوا بالسينما، وساهم في كتابة سيناريو وحوار فيلم «وقائع سنين الجمر» للمخرج محمد لخضر حامينا الذي نال السعفة الذهبية لمهرجان «كان» سنة 1975، كما كتب للسينما فيلم «علي في بلاد السراب» للمخرج أحمد راشدي، والذي تناول مشكلة العنصرية ضد العمال الجزائريين في فرنسا، إضافة إلى أعمال أخرى. وهو يشبه في هذا الروائي الجزائري المقيم في فرنسا مراد بوربون الذي كانت له أكثر من مساهمة في الكتابة السينمائية.

ومن روائيي «جيل السبعينات» في الجزائر، تحولت رواية أمين الزاوي «إغفاءة الميموزا» إلى فيلم أخرجه منذ سنوات سعيد ولد خليفة بعنوان «شاي آنيا». أما رواية «الأمير.. مسالك أبواب الحديد» للروائي واسيني الأعرج، التي تتناول شخصية الأمير عبد القادر الجزائري، فعلى الرغم من نجاحها الكبير وتتويجها بجوائز أدبية ذائعة الصيت، فإن صاحبها ينتظر تحويلها إلى فيلم بمقاييس عالمية، وينتظر الفرصة المناسبة لذلك بعد تعطل المشروع الأول، الذي قاده المنتج عبد العزيز طولبي، لأسباب تتعلق بالتمويل.

06 أغسطس, 2009

بازار الفقراء الجزائريين مهدد بالزوال

شارع وادي كنيس، أسفل هضبة العناصر، حيث يظهر مبنى قصر الثقافة من بعيد، وتحت أسلاك التليفيريك الذي مازال معطلا إلى أجل غير مسمى، ما تزال محلات بيع الأثاث القديم، تقاوم انقراض حي رويسو العريق، الذي كان مليئا بالمساكن القديمة، لكنه الآن لا يحتوي إلا على بقايا هذا الشارع، إضافة إلى مبنى مجلس قضاء العاصمة الجزائرية الجديد، والمذبح البلدي العتيق، ومبنى كارفور الذي تم غلقه منذ أشهر·


الخير شوار

يكاد يكون ما تبقّى من شارع واد كنيس الذي يتعرض للتهديم، ما هو مخصص لبيع الأثاث القديم، بما في ذلك بعض الكتب القديمة، والآلات الموسيقية الكلاسيكية ''البيانو'' بخشبها الفاخر ويقترب سعر بعضها من العشر ملايين سنتيم، والمزهريات والمرايا والثريات، التي تذكّر بالقصور الفاخرة، وكل ذلك بأسعار معقولة إلى حد بعيد· وغير بعيد عن تلك المحلات التي تفتقر إلى تدفق الزبائن بشكل مقبول والوقت يقترب من منتصف النهار، تقف شاحنات تبيع هي الأخرى أثاثا لأصحاب المحلات أنفسهم·

في هذا الجو، يبقى أصحاب المحلات متوجسين، خائفين مما سيأتي، وإشاعات قرب تهديم الشارع بما فيه، من محلات تطاردهم في كل حين، بصِيَغ مختلفة، فهم يريدون الحصول على زبون، وبالمقابل لا يريدون التكلم إلى الصحفيين عن المهنة ومتاعبها خوفا من الأضواء التي قد تجلب متاعب لا أول لها ولا آخر·

غرفة نوم بمليون ونصف مليون سنتيم!

وسط محلاّت شارع واد كنيس للأثاث القديم، يجلس شيخ على كرسي أمام محله بلحية بيضاء خفيفة قليلا، ينظر إلى أثاثه القديم تارة، وينتظر زبونا قد يأتي تارة أخرى، وعند فتح الموضوع، يتكلم الشيخ واسمه ''صالح'' معلقا على حاله: ''في فترة العطلة السنوية هذه رانا نتسمشو''، فكل الناس تقريبا هم الآن في عطلة مما يؤثر سلبا على عملية البيع والشراء بشكل كبير جدا· ويستدرك بالقول: ''صحيح هناك استثناء بالنسبة للفقراء الذين يتزوجون في فصل الأفراح هذا، فالكثير منهم يشتري غرفة النوم من هذا الأثاث القديم''·

وعن الأسعار، يقول عمي صالح أن سعر غرفة النوم يتراوح بين ومليون ونصف مليون سنتيم إلى 6 ملايين سنتيم جزائري، مع العلم أن غرفة 6 ملايين سنتيم، تعتبر سلعة نادرة ويصل سعرها ضمن الأثاث الجديد إلى 12 مليون سنتيم·

وعن كيفية الحصول على تلك المقتنيات، يقول شاب يعمل هناك: ''السلع نحصل عليها من السوق، في إطار اليد الثانية، وحتى اليد الثالثة أحيانا أخرى، ونشتري هذه السلع من عند أصحاب الشاحنات الذين يأتون إلى هنا من أجل بيع سلعهم، وهم بدورهم يشترونها بطرق مختلفة، فقد يلجأ أحد مثلا إلى تغيير أثاث بيته فيلجأ إلى بيت القديم منه·

الله يذكر ''الروامة'' على خير

يؤكد عمي صالح، الذي يتكلم بهدوء ومرارة على ما آلت إليه مهنته التي تقاوم الانقراض، بأن تلك الطريقة في البيع معروفة منذ زمن الاستعمار الفرنسي، فيلجأ أصحاب الشاحنات إلى المناداة ''التبراح''، طالبا ممّن كان يمتلك أي شيء يبيعه في هذا الإطار ومنها يحصلون على السلع التي يبيعونها لتجار التجزئة في مثل هذه المحلات·

ويؤكد في سياق آخر بالقول: ''المفارقة أنه في فصل الشتاء تكون السلع قليلة نسبيا لكن البيع مزدهر، في حين أنه في فصل الصيف تكثر السلع ويقلّ عدد المشترين بشكل كبير جدا، وعموما في السنوات الأخيرة تراجعت عملية البيع والشراء بشكل ملحوظ وتدهورت الأوضاع كثيرا، فزبوننا الأساسي هو العامل اليومي، والبطالة ازدادت بشكل كبير للغاية، على عكس السنين الماضية عندما كنا نعمل بشكل كبير وكسبنا الكثير من الأموال''·

لقد قضى عمي صالح أكثر من خمسٍ وأربعين سنة في هذه المهنة، ولا يتخيل نفسه خارجها، ويقول: ''منذ سنة 1963 وأنا في هذا المحل، قبلها جئت إلى واد كنيس في شهر جويلية 1945 قادما إليه من منطقة عين الكبيرة بولاية سطيف''· ويستطرد بالقول: ''عندما بدأت، كانت المهنة مزدهرة كثيرا خاصة مع الأوربيين الذين كانوا يبيعوننا أثاثهم وبعضهم يهم بمغادرة البلاد، ولم يبقَ لنا في هذه المهنة إلا حوالي سنة تقريبا عندما ينتهون من مشروع إعادة تهيئة رويسو ليلتفتوا إلينا ويقضوا على كل محلات واد كنيس هذه، فعندما كان حي رويسو ''العناصر'' عامرا، كانت التجارة مزدهرة، ومع تهديمه بشكل شبه كلي، تراجعت تجارتنا بهذا الشكل''·

يؤكد تجار شارع واد كنيس أن أحد عشر حانوتا تم تهديمها ولم يتم تعويض أصحاب تلك الحوانيت، ولحد الآن لم نعرف من هو صاحب مشروع إعادة تهيئة واد كنيس وكيف سيتعامل معنا؟ ومع المشاريع الكبرى التي يُشرف عليها الأجانب، لا مجال للبيع ويقول بعضهم: ''إذا ما هدموا لنا محلاتِنا، لا نطمع في بديل جيد، فـبسبب الحاجة الملحة''يبيعونها·

مهنة في طريق الانقراض

يؤكد عمي صالح، أنه بالإضافة إلى تهديد تهديم واد كنيس، ونقص زبائن حي رويسو الذي بقي فارغا، هناك تهديد آخر لا يقل خطرا، كمايؤكد: ''بعد خمسين سنة من ذهاب الأوروبيين، واستهلاك أثاثهم الفاخر طيلة هذه المدة، لم تعد لنا سلع جديدة يمكن أن تُغري الشاري، وكل المنتجات الجديدة مصنوعة من الخشب الرخيص، والنشارة وتفتقر إلى أدنى الجماليات أوالنقوش''·

حوار بين بائع وزبون

الزبون: ما هذه؟

البائع: هذه غرفة نوم، هل تريدني أن أبيعك، والخزانة لوحدها؟

الزبون: بكم؟

البائع: أعطني سومة

الزبون: والله يا عم دبر راسك··

البائع: أنا أحتفظ بـ les abats (أحشاء الذبيحة) وأبيعك الباقي··

(يُقصد بـ les abatsملحقات غرفة النوم من طاولة النوم وغيرها، هذه هي لغة التعامل)

الزبون: بكم تبيع؟

البائع: 2مليون و600 ألف سنتيم

يذهب الزبون، ويستمر البائع قائلا: إذا أردت التدرب في المهنة، عليك بالمجيء إلى هنا، فـ les abats مثلا معروفة عند الجزارين، لكن أحد البساكرة العاملين معنا هو من أطلق هذا الاسم على الأثاث·

26 يوليو, 2009

الجزائر تلتفت جنوبا وتكتشف وجهها الأفريقي


المهرجان الثقافي الأفريقي الثاني الذي احتضنته مدينة الجزائر وبعض المدن الجزائرية الكبرى، كان فرصة حقيقية لاكتشاف الآداب الأفريقية المتنوعة، التي ظلت غائبة عن المشهد الأدبي الجزائري على الرغم من قربها الشديد منه وتشابه التجارب في كثير من الوجوه. ومع التظاهرات والمنشورات المتعددة، اكتشف الجمهور الجزائري تلك الصورة الغائبة للأدب الذي يصفه البعض بـ«الأسود» نسبة إلى تلك القارة، وبعضهم يعتبر تلك التسمية استعمارية. وفي كل الحالات حضرت الآداب الأفريقية إلى الجزائر بشكل غير مسبوق مع هذا المهرجان الذي أثار الجدل الثقافي وحتى السياسي.


الخير شوار

الجزائر التي تقع في شمالي القارة الأفريقية، كثيرا ما تنازعتها نظرتان، الأولى إلى الشمال حيث لا يفصلها عن أوروبا إلا البحر الأبيض المتوسط، والثانية إلى الشرق حيث محيطها العربي. وكانت الجزائر قد جربت نظرة أخرى، إلى الجنوب حيث امتدادها الأفريقي، قبل أربعين سنة عندما استضافت المهرجان الثقافي الأفريقي الأول في صيف 1969 بعد سنوات قليلة من استقلالها، وكاد الجميع يعتقد أن تلك هي الدورة الأولى والأخيرة للمهرجان، قبل أن يتقرر تنظيم دورة ثانية في المكان نفسه وفي الوقت نفسه من السنة. بعد أربعين سنة، ومع أن التركيز يبدو كبيرا على فنون الرقص والفلكلور والأغاني الطقوسية، فإن الملاحظ هو الحضور الأدبي الأفريقي الجديد وبشكل غير مسبوق حتى غدت مدينة الجزائر عاصمة حقيقية للأدب الأفريقي، ويتمنى الكل ألا يكون ذلك بشكل مؤقت.

«منشورات البيت» التي يديرها الشاعر أبو بكر زمال، أصدرت بالمناسبة سلسلة من الأنطولوجيات الأدبية الأفريقية، أولها «ألوان الأدب الأسود» للكاتب والمترجم الجزائري إدريس بخاري، الذي تمكن من جمع نتاج 25 كاتبا أفريقيا ومن هاييتي من الكتاب الناطقين باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والإسبانية والبرتغالية. وعن المنشورات نفسها صدر للكاتب الصحافي الإريتري محمود أبو بكر «مرايا الصوت». وهي أول أنطولوجيا من نوعها للأدب الإريتري المعاصر المكتوب باللغة العربية ذي الامتداد الأفريقي من جهة والعربي من جهة أخرى نتيجة لقربه الشديد من شبه الجزيرة العربية. كما صدرت أنطولوجيا عن الأدب السوداني بعنوان «غابة صغيرة»، إضافة إلى أنطولوجيات أدبية أفريقية أخرى صدرت تباعا خلال أيام المهرجان.

وتستضيف الجزائر على مدى أسبوعين تقريبا نخبة من الأدباء والشعراء الأفارقة فيما عرف بـ«إقامات إبداع» على غرار ما حدث قبل سنتين في إطار تظاهرة «الجزائر عاصمة للثقافة العربية». فقد حضر بعض الكتاب الأفارقة المشهورين عالميا على غرار تانيلا بوني من ساحل العاج، وسامي تشاك من الطوغو، وأوجين إيبودي من الكاميرون، وإبراهيم آيا من مالي، كما يحضر بعض الكتاب الجزائريين المشهورين على غرار أنور بن مالك وحميد سكيف وسيكون الروائي رشيد بوجدرة ضيف شرف «إقامات الإبداع» هذه، التي ستتحول بؤرة للنقاش الأدبي والثقافي عموما، وستسفر عن نصوص أدبية جديدة ينتجها هؤلاء الأدباء، ثم يطبع النتاج في كتاب ضخم، ويصدر كتاب آخر يلخص صور المهرجان مطعما بالنصوص التي كتبت في إطار هذه التظاهرة.

ولا تتوقف استضافة الجزائر للأدب الأفريقي عند هذا الحد، فمن المقرر أن يصدر 200 عنوان أدبي خلال هذه التظاهرة بحيث يعاد نشر أعمال أدباء كبار من أفريقيا والكراييب، بينهم كتاب من الجزائر وجنوب أفريقيا والمارتينيك والكونغو وساحل الحاج وبوركينا فاسو وغيرها من الدول. ولا يقتصر أمر النشر على الدور الجزائرية، فقد تم التعاقد مع سبع دور أجنبية أشهرها «غاليمار» و«آكت سود» بعد شراء حقوق إعادة نشر 115 عنوانا ثقافيا.

أخيرا التفتت الجزائر جنوبا لتكتشف وجهها الأفريقي الضارب في التاريخ والجغرافيا، ويأمل محبو «وجه الجزائر الثقافي الأفريقي» ألا تكون تلك الالتفاتة عابرة. فالجزائر المنفتحة دوما على الجهة الشمالية، والمفتخرة ببعدها العربي، لها وجه أفريقي لا يمكن نكرانه، ولا تكتمل الصورة الثقافية في هذا البلد مترامي الأطراف إلا به.

18 يونيو, 2009

أدونيس ودرويش بلسان الأمازيغ لأول مرة



تمكن أخيرا شاعر جزائري يكتب باللغة الأمازيغية واللغة العربية، من ترجمة بعض أعمال أدونيس ومحمود درويش الشعرية إلى الأمازيغية، في تجربة غير مسبوقة.


الجزائر: الخير شوار

أحمد سليم آيت وعلي، كاتب صحفي وشاعر باللغة العربية واللغة الأمازيغية، وفي تجربة غير مسبوقة اختار نقل بعض أشعار أدونيس ومحمود درويش إلى اللغة الأمازيغية بلهجتها القبائلية، وشكّل ذلك حدثا ثقافيا طريفا عندما ألقى نماذج من تلك التجربة في المسرح الوطني الجزائري على هامش احتفاليات "القدس عاصمة أبدية للثقافة العربية" التي تنظمها الجزائر على مدار سنة كاملة. وينتظر أن تصدر تلك التجارب قريبا في شكل كتب مما يسهم في تأسيس "مكتبة أمازيغية" أدبية ظلت إلى وقت قريبا أقرب إلى اللغة المحكية منها إلى المكتوبة، ولم تنل الاعتراف بها كلغة "وطنية" في الجزائر إلا مع بداية هذه الألفية الجديدة بعد نضال ثقافي وسياسي كبيرين. ومازال الجدل قائما حول طريقة كتابتها بين مفضّل للأحرف العربية ومفضل للأحرف اللاتينية أو "كتابة تفناغ" القديمة التي وجدت ضمن آثار التاسيلي بمناطق الطوارق.

وتكمن أهمية هذه الترجمات التي قام بها أحد الشعراء الذين جمعوا بين الثقافتين العربية والأمازيغية، في إذابة الحاجز بين الثقافتين، بعد السجال الذي دام طويلا والذي تطور من ثقافي إلى سياسي قبل أن يتوارى قليلا في السنين الأخيرة. ويأتي إنجاز الشاعر أحمد سليم آيت وعلي هذا في إطار التجربة التي بدأها سنة 2006 ضمن برنامج "الطريق يتذكر" التي يعدها ويقدمها كل أسبوع على أمواج القناة الإذاعية الجزائرية الثانية الناطقة باللغة الأمازيغية، ففي إطار هذا البرنامج بدأت أشعار الهندي طاغور والفرنسي شارل بودلير والفارسي القديم عمر الخيام تدخل الثقافة الأمازيغية التي كانت في السابق منطوية على ذاتها ولا تعرف إلا الشعراء الناطقين بها على غرار سي محند أومحند ولونيس آيت منقلات ومعطوب الوناس الذي اغتيل في ظروف غامضة سنة 1998م، وجاءت ترجمات ممدوح عدوان وجبران خليل جبران، قبل ترجمة بعض أعمال محمود درويش وأدونيس في الآونة الأخيرة.

وحول هذه التجربة يقول أحمد سليم آيت وعلي لـ"الشرق الأوسط" أنه وجد صعوبة بالغة في تحويل أشعار أدونيس إلى الأمازيغية، ويقول أن أحد أصدقائه خاطبه مازحا عندما علم بترجمة بعض أشعاره أن أدونيس يحتاج إلى ترجمة إلى اللغة العربية أولا قبل أن يترجم إلى الأمازيغية أو إلى أي لغة أخرى. ويضيف أنه أصيب بصداع كبير وهو يشتغل على أشعار أدونيس وكان يسهر معه إلى الساعة الرابعة صباحا في بعض المرات حتى يقترب من روح تلك النصوص وكم كانت فرحته كبيرة وهو يكسب التحدي وينجح في تحويل أشعار أدونيس بمحمولها الفلسفي إلى اللغة الأمازيغية. وعن محمود درويش فهو اختار نصوصه الأولى "الثورية" "لأسباب نضالية" كما يؤكد ومعروف عن الشاعر أحمد سليم آيت وعلي في الجزائر ميوله النضالية الأقرب إلى اليسار بمفهومه الواسع. ويؤكد آيت وعلي أنه يمتلك قاموسا (عربي – أمازيغي)، وكان يفترض أن يستعيد به على الترجمة لكنه وجد نفسه بعيدا عنه، فالعملية الفنية التي كان بصددها وهو يغوص في لغتين ويعيد إنتاج العملية الشعرية بين لسانين، جعلته يكتشف محدودية القاموس ويلجأ إلى الإبداع الحر بعيدا عنه.

جاءت ترجمة بعض أشعار أدونيس ومحمود درويش إلى اللغة الأمازيغية تتويجا لجهد كبير وحلم أكبر رواد صاحبه الذي كان يتمزق وهو يرى ذلك الصراع المفتعل بين ثقافة نشأ في كنفها وأخرى عشقها وكتب بها لسنين طولية، وينتظر أن يتجسد هذا الحلم أكثر مع صدور تلك الترجمات في كتب تزيل بشكل عملي وملموس ذلك الجدار الوهمي الذي يفصل الثقافة العربية والثقافة الأمازيغية وهما وجهان لثقافة واحدة في الجزائر وشمال إفريقيا.

14 مايو, 2009

بابلو نيرودا.. سفيرا فوق العادة لدولة تشيلي لدى الجزائر





تنظم سفارة دولة التشيلي لدى الجزائر، للعام الثاني على التوالي، معرضا متنقلا بين مختلف المدن، للصور الخاصة بالشاعر بابلو نيرودا، الذي أصبح بمثابة السفير الدائم لهذه الدولة لدى الجزائر، وهو الذي اشتغل في حياته بالدبلوماسية، وأصبح بعد وفاته «أيقونة» تشيلي من دون منازع. 

فمنذ أيام، انتقل سفير دولة التشيلي لدى الجزائر من مقر إقامته بالعاصمة، إلى مدينة المدية (نحو 100 كيلومتر إلى الجنوب)، ترافقه حرمه والقنصل العام في السفارة، حيث دار الثقافة للمدينة التي تحمل اسم الفنان الكوميدي الجزائري الراحل حسن الحسني، وهناك أشرف على افتتاح معرض لصور تتناول مراحل مختلفة من حياة الشاعر بابلو نيرودا، أحد أكبر الشعراء باللغة الإسبانية في القرن العشرين، والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1971 قبل وفاته بحوالي سنتين.

المعرض أطلق عليه اسم «الغائب»، وهو عبارة عن أربعين صورة، التقطها الشاعر بنفسه أو التقطها له بعض الأصدقاء المقربين، وتلخص مسيرة هذا الشاعر الذي أصبح بمثابة رمز دولة التشيلي، وخير سفير لها في العالم، ولا يزال كذلك على الرغم من أنه غادر الحياة منذ سنين طويلة. وكانت السيدة أنيتة زوريبيشل قرينة سفير الشيلي لدى الجزائر قالت عند تدشين معرض الصور، إن نيرودا سيبقى «رمزا حيا بالنسبة لكل التشيليين». وفي المناسبة ذاتها قال سفير دولة التشيلي في الجزائر إن المعرض الذي حط رحاله في مدينة المدية جنوب الجزائر، سيجوب مدنا ومناطق أخرى من خارطة الجزائر الكبيرة، حتى يتعرف المزيد من الجزائريين على هذا المعلم الشعري العالمي الكبير. 

ونيرودا، الذي نال أكبر الجوائز الأدبية في العالم، عمل في حياته في المجال الدبلوماسي كمستشار، وبعد انتخابه سناتورا، جرب حياة المنفى، ليعود إلى بلده سنة 1970، وسرعان ما التحق من جديد بالحقل الدبلوماسي، في عهد صديقه الرئيس الراحل سلفادور أليندي، الذي قتل في انقلاب عسكري عام 1973، وهي السنة نفسها التي توفي فيها هذا الشاعر الكبير. ومن سخرية الأقدار أن جلاده وجلاد صديقه، الجنرال أوغيستو بينوتشي تطارده الفضيحة والجريمة السياسية التي ارتكبها وهو في أرذل العمر، وأفلت من العقاب بعد أن غادر الحياة وقد تجاوز التسعين من عمره، لتبقى صورة نيرودا ناصعة في التاريخ، ويصبح خير سفير لدولة التشيلي في العالم، وفي الجزائر طبعا.

وليست هذه المرة الأولى التي يقام له فيها معرض متنقل بين مختلف المدن والمقاطعات الجزائرية. ففي مثل هذا الوقت من العام الماضي، أقيم لنيرودا معرضا متنقلا للصور جاب نحو 20 ولاية (مقاطعة جزائرية)، إضافة إلى أمسية أدبية تكريمية حضرتها الكاتبة التشيلية أدريانا لاسال، ونخبة من الشعراء الجزائريين في المكتبة الوطنية الجزائرية. 

الجزائريون الذين تضامنوا مع بابلو نيرودا، طيلة الأحداث التي أعقبت الانقلاب في تشيلي عام 1973، قرأوه بالفرنسية، خاصة من خلال كتابه الأشهر «أشهد أني عشت» الذي كان دعوة لاكتشاف أميركا اللاتينية، قبل أن ينجز الشاعر عبد الله حمادي، أول جزائري يتخصص في الأدب الإسباني، كتابه المرجعي باللغة العربية «اقترابات من شاعر تشيلي الأكبر بابلو نيرودا»، وذلك بداية ثمانينات القرن العشرين. وهو عبارة عن سيرة حياتية شعرية متبوعة بترجمات لأشهر قصائده، التي شكلت رافدا مهما لتجارب الشعراء الجزائريين الذين سيكتبون باللغة العربية بعد ذلك. 

سفير التشيلي (الرسمي) لدى الجزائر، أدرك أن مهمته تلك هي سياسية بحتة، وأن خير سفير لبلده في الجزائر، وفي العالم ككل هو الشاعر بابلو نيرودا، وربما هذا هو سر التكريم المتواصل له سنة بعد أخرى.

27 أبريل, 2009

هل المنتجون الجزائريون جاهزون لفتح السمعي البصري؟


 

الخير شوار 

عندما أقدم وزير الثقافة والاتصال، نهاية تسعينيات القرن الماضي، على حل المؤسسات السمعية البصرية الممثلة في الوكالة الوطنية للأحداث المصورة، والمؤسسة الوطنية للإنتاج السمعي البصري ومؤسسة الإنتاج السينمائي، كان المبرر هو القضاء على تلك الأطر التي حوّلت إلى مؤسسات بيروقراطية فاشلة من أجل خلق أطر بديلة، واستبشر أهل القطاع في ذلك الوقت خيرا لتلك الخطوة، لكن وعوض أن يتقدم القطاع أكثر، أصيب بشلل شبه كامل، ولم يتوصل المختصون والمسؤولون إلى أي صيغة بديلة، وبقي الإنتاج السمعي البصري يقتات من الصناديق الخاصة، في غياب أي إطار قانوني بديل، والنتيجة هي وضع كارثي بكل المقاييس· ويأتي الشلل في وقت تسارعت فيه الأحداث وأصبحت الفجوة كبيرة جدا مقارنة بأقرب الجيران· المنتجون الخواص يؤكدون بأنهم رهائن زبون واحد، وهو التلفزيون العمومي الذي يشتري إنتاجهم إن شاء مسؤولوه دون أي سند قانوني يحميهم، وبعض المسؤولين عن التلفزيون يؤكدون بأن تلفزيونا واحدا لا يمكن أن يحل مشكلة معقدة من هذا النوع، هي تراكم مشاكل القطاع لسنين طويلة· والحل؟ يجمع الكل على ضرورة فتح القطاع السمعي البصري، ولئن أجمعوا على أن الأمر في حاجة إلى قرار سياسي، إلا أنهم يختلفون في كيفية الحل، البعض يؤكد على ضرورة فتح المجال للخواص، والبعض الآخر يقول بضرورة الاستفادة من تجربة الإذاعة التي تعددت كثيرا من المحطات الجهوية والمحلية، والكلمة للمتخصصين .

هل القطاع السمعي البصري في حاجة الآن إلى قرار سياسي، يكون بمثابة الحل السحري لمشاكله المتراكمة منذ سنين طويلة، أم أن الأمر أعقد من ذلك، وما هي مشاكله بالضبط، هنا نظرة من مخرج وأخرى من باحث أكاديمي يحاولان الاقتراب من المشكلة بمختلف أبعادها· 

 

بن عمر بختي (مخرج): 


لابديل عن فتح نقاش حول السمعي البصري

 

يرى المخرج التلفزيوني والسينمائي بن عمر بختي أنه لا بديل عن فتح مجال السمعي البصري للنقاش، من أجل خلق استراتيجية نتجاوز بها الفجوة الموجودة في هذا المجال، مقارنة بالدول المغاربية·

 

هل فتح القطاع السمعي البصري أمام المستثمرين الخواص في الوقت الحالي ضروري؟ 

يجب فتح الوسائط الإعلامية كلها، بما فيها الصحافة المكتوبة والتلفزيون والراديو، من أجل خلق نقاش اجتماعي وسياسي في كل الميادين، وهذا الأمر سيعطي دفعا جديدا للمحترفين في هذا الميدان، وحتى للجمهور الذي سيستغل آراء المنتجين في كل ميدان· كما أن السمعي البصري ليس بمعزل عن الثقافة بوجه عام، وأنا أرى أن للصحافة دور كبير في هذا المجال من أجل انفتاح ثقافي أكثر، وكل طرف يجب أن تكون له آراء في هذا المجال من أجل فتح نقاش حقيقي، وفي هذا الصدد أنا متتبع جيد للتلفزيونات الدولية والمغاربية، وعلينا الاستفادة من تلك التجارب·

 

لنبقى في التلفزيونات المغاربية، الأقرب إلى محيطنا·· كيف يمكن أن تقارن بيننا وبين تلك التجارب المغاربية (تونس والمغرب نموذجا)؟ 

لدينا تأخر كبير في هذا المجال، حتى مقارنة بالتجارب المغاربية القريبة، ولنأخذ التجربة المغربية على سبيل المثال، وبدون مبالغة لهم حوالي 400 مهرجان سنوي، مهرجانات في الموسيقي والمسرح والسينما والشباب، وحتى نرى وجه المقارنة هناك مثلا مهرجان تطوان ومهرجان مراكش الذي له سمعة عالمية، ومهرجان أصيلة ومهرجان أغادير ومهرجان خريبقة، إضافة إلى اللقاءات الكثيرة الأخرى، أما نحن فلم ننظم إلا مهرجانا عربيا واحدا للسينما في وهران·

 

وفيما يخص القنوات التلفزيونية؟ 

الأمر نفسه، أنا أتابع البرنامج التلفزيوني لتونس وللمغرب، وأعتقد أن هناك فرقا كبيرا بيننا وبينهم·

 

لديهم تلفزيون عمومي، مثلما لدينا نحن·· أين الخلل بالضبط في رأيك؟ 

الخلل يكمن في انعدام سياسة سمعية بصرية في بلادنا، فلماذا نظمنا النقاش في علاقة المنتجين بالتلفزيون؟، لأنه لا توجد شفافية في هذه العلاقة، ولا يوجد اتصال بين الجانبين، وبالخصوص المشكلة الأخيرة، فلتقم بتجربة أنت، لا تتقدم كصحفي وإنما تقدم إليهم كمنتج، لن تحصل على جواب بالمرة، وأنا كمنتج لم أحصل على أي جواب حول مشاريعي·

 

عندما تطرح الإشكال على المسؤولين، يقولون إن الإمكانيات متوفرة، فأين الخلل بالضبط؟ 

نحن كمنتجين عندما نتكلم مع المسؤولين، يقولون لنا إن الإمكانيات غير موجودة، وسوف أذهب معك بعيدا في هذا المجال، سأتحفّظ على ذكر اسم الشخص الذي كان وزيرا للثقافة، وطرحت عليه مشكلة انعدام المال المخصص للانتاج السمعي البصري، وحينها اقترح عليّ مع زملائي المنتجين إنشاء جمعية مهمتها الاتصال بوزير المالية من أجل الضغط عليه، حتى يمنح الميزانية اللازمة لما نريد، فما هو دور وزير الثقافة في هذا المجال إذا كان يكتفي بتوجيهك إلى وزير المالية؟ أليس دوره الدفاع عن برنامجه واستراتيجيته في خدمة القطاع الثقافي؟ هذا مثال صغير على المشاكل الكثيرة والمعقدة المطروحة في هذا المجال·

  

عاشور فني (باحث في اقتصاديات الإعلام المرئي والمسموع):

 

مشكل السمعي البصري في الجزائر جزء من أزمة أعمق

 

يؤكد عاشور فني، الأستاذ الجامعي والباحث في اقتصاديات الإعلام المرئي والمسموع، أن مشكلة السمعي البصري، ما هي إلا جزء من مشكلة أعمق تتعلق بغياب الأطر القانونية المنظمة للقطاع، ويرى ضرورة قرار سياسي لانفتاح سمعي بصري يستفيد من تجربة الإذاعة في هذا المجال·

 

وضع السمعي البصري في الجزائر كارثي مقارنة مع أقرب جيراننا المغاربيين، لماذا في رأيك؟ 

السمعي البصري في الجزائر يتطلب نشاطا ثقافيا حثيثا، ظهر في المسرح ثم في السينما ولاحقا مع المنتجات التلفزيونية مع تطور دور الدولة الثقافي في الجزائر، وكان دائما يرتكز إلى الدور القوي للدولة الجزائرية وإلى التمويل العمومي، وفي نفس الوقت كان الاستهلاك الثقافي المتجه نحو القطاع السمعي البصري، استهلاكا جماعيا، في قاعات السينما وقاعات الحفلات، ويتمثل أيضا في مشاهدة التلفزيون، والمشاهدة هنا تتطلب إنتاجات من المنتجين·

 

هل المشكلة تكمن في غياب الأطر والتشريعات المنظمة للقطاع؟ 

منذ بداية التسعينيات إلى حد ما، بدأت المؤسسة العمومية تتخلى عن تمويل الإنتاج السمعي البصري، نظرا للصعوبات المالية التي لاقتها المؤسسات العمومية، والإدارة العليا للإنتاج السمعي البصري في الجزائر، كما أنه في بداية التسعينيات كانت هناك التلفزة العمومية من ناحية، وكانت هناك المؤسسة العمومية للإنتاج السمعي البصري، ووكالة الأحداث المصورة ومركز الإنتاج السينمائي·· كل تلك المؤسسات كانت قائمة على التخصص، ولكن للأسف فإن المنتجين والمخرجين والفنانين الذين كانوا يديرون هذه المؤسسات، سمحوا بظهور تضارب في دور المؤسسات المختلفة، والنتيجة هي أنه عند حل هذه المؤسسات في نهاية التسعينيات، بقي الإنتاج السمعي البصري في الجزائر دون سند لا عمومي ولا خاص، لأنه لم يتم تطويره·


لكن الدولة عاودت تمويل الإنتاج السمعي البصري في السنوات الأخيرة؟

 هذا التمويل ليس منتظما، فهو يتم عن طريق الصناديق الخاصة، في السابق كانت هناك مؤسسة يتم تسييرها، لها ميزانية وعمال وكفاءات، وهناك سياسة للتوظيف والتكوين، وليكن في علمك، فإنه لا يوجد تكوين للسمعي البصري في الجزائر، أقصد تكوين المخرجين وكتّاب السيناريو والمهن العليا في المجال السمعي البصري، فالمشكل الذي يعيشه المجال السمعي البصري ما هو إلا مظهر لأزمة أعمق، فنحن لا نرى إلا جزءا·

 

أين تكمن المشكلة الأكبر في هذا المجال؟ 

المشكلة الكبرى هي غياب استراتيجية في السمعي البصري، فالدولة عندما انسحبت من المجال السمعي البصري، لم تسمح لأي جهة أخرى، ولم تؤهل أي جهة أخرى للقيام بهذا العمل، وهو ما خلق فراغا كبيرا في هذا المجال·

 

لنقارن بين المسموع والسمعي البصري، هناك تجارب ناجحة في الإذاعات المحلية المتعددة، لماذا لم يستفد التلفزيون من نجاح الإذاعة في هذا الجانب؟ 

هذه مسألة توجه استراتيجي، ففي المجال الإذاعي، سمح بوجود محطات جهوية ومحلية تهتم بالأنشطة المحلية الرسمية وغير الرسمية، وبالإنتاج الثقافي المحلي، بالاهتمام مثلا بالموسيقى المحلية لكل منطقة، وسمح هذا للمستمعين بالانتقال من المحطات المركزية والعالمية، إلى الاستماع إلى المحطات المحلية، فكل ما انتقل اهتمام وسائل الإعلام إلى ما هو محلي، اكتسب جمهورا أكبر، أما فيما يخص التلفزيون فهو ينتظر قرارا سياسيا للاستفادة من تلك التجربة الناجحة· 

 

 

26 أبريل, 2009

«حنظلة» يزور الجزائر في ذكرى ميلاده الأربعين


بعد أربعين سنة على «ميلاد» شخصية حنظلة، ذلك الطفل الكاريكاتيري صاحب الملابس الرثة والشعر الشوكي، وبعد أكثر من عشرين سنة على رحيل مبدعه الفنان الفلسطيني ناجي العلي، يقتحم هذا الطفل المشهد الثقافي الجزائري بشكل غير مسبوق في عدد من الأعمال الفنية التي تتنوع بين المسرح والكتاب والألبوم والمعرض الفني.

المسرح الوطني الجزائري الذي يحمل اسم الفنان الراحل محيي الدين باشتارزي، وفي إطار برنامجه «صدى الأقلام»، الذي ينشطه الشاعر عبد الرزاق بوكبة، استضاف الشاعر الشاب سعيد حمودي، الوجه الإعلامي الذي أصدر منذ أكثر من سنة مجموعته الشعرية الأولى «أغرق فيك»، وبالمناسبة قرأ سعيد نصا مسرحيا كتبه منذ فترة، عنوانه «حنظلة». وينتظر أن يصدر النص في كتاب قريبا جدا عن منشورات «دار الحكمة» في الجزائر. كما وعد الفنان محمد بن قطاف «مدير المسرح الوطني» الجزائري أن يقدم النص مسرحيا، وقد تمت برمجته بالفعل وسيبصر النور على الخشبة خلال عام 2009. لا يخفي سعيد حمودي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن أساس فكرة كتابة النص بدأت تتبلور مع إعلان مدينة القدس عاصمة للثقافة العربية للعام 2009، فأراد من موقعه كشاعر تقديم هذا النص، الذي يقترب من السيرة الذاتية لفنان الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي، لكنه لا يتقيد بالسيرة حرفيا، بل يحاول أن يتحاور جماليا مع شخصية «حنظلة»، ذلك الطفل الذي ولد في مخيلة الفنان الراحل قبل أربعين سنة، وما زال طفلا صغيرا لا يكبر، رغم المحن التي مر بها. ثم إن سعيد يقول إنه ليس غريبا عن فن الكاريكاتير الذي نشأت فيه شخصية حنظلة، فقد سبق له وهو الصحافي الشاب عندما كان يشتغل في صحيفة «الخبر» الجزائرية، أن قام بكتابة مقدمة لكتاب فنان الكاريكاتير الجزائري الشهير «أيوب»، والذي اختاره دون غيره من الصحافيين والكتّاب، لأن الفنان المخضرم أراد أن يقدمه شاب من الجيل الجديد، بنظرة غير تقليدية عنه. وبعد تلك التجربة التي يعتز بها، أراد الشاعر سعيد حمودي أن يعيد الكرّة على صعيد آخر مختلف تماما، فكتب هذا النص المسرحي اقترابا من فنان الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي.

ولا تنتهي حكاية «حنظلة» في المشهد الثقافي للموسم الحالي عند هذا الحد، فللحكاية فصل آخر بمسمى «ربيع حنظلة»، وهو عنوان لمعرض فني يتناول بعض لوحات الفنان ناجي العلي، الذي ينطلق مع بداية شهر أبريل (نيسان)، حسبما يؤكد الشاعر أبو بكر زمال رئيس «جمعية البيت»، الذي يضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن جمعيته هي الجهة المنظمة لـ«ربيع حنظلة» بالتعاون مع وزارة الثقافة الجزائرية، وخالد ناجي العلي وهو نجل الفنان الراحل، وقد تكفل بإرسال مائة لوحة فنية إلى الجزائر هي عدد لوحات المعرض الفني. ويضيف زمال قائلا: «إن فكرة المعرض لا تكتمل إلا بالألبوم الذي يصدر بالتزامن معه ويضم كل رسومات الفنان ناجي العلي في الفترة الممتدة بين سنة 1985 وصيف 1987 عندما اغتيل رميا بالرصاص في أحد شوارع لندن، وإن عائدات مبيعات ذلك الألبوم ستوجه إلى قطاع غزة، في شكل مساعدات إنسانية». حنظلة، الذي ولد طفلا بشعر «شوكي» قبل أربعين سنة، وبقي يدير ظهره للمتلقي العربي، حافي القدمين، رث الثياب، لم يمت كما توقع له البعض عند رحيل مبدعه ناجي العلي قبل أكثر من عشرين سنة، وظل يتعدد في أشكال فنية مختلفة، وفي هذا الموسم يحضر بقوة في المشهد الثقافي الجزائري، كما لم يحدث من قبل.