08 مايو، 2008

فنانون جزائريون يطلعون من تحت القبعات العسكرية

يكتشف المتابعون للتشكيل الجزائري فناناً جديداً اسمه سليم رميل، يقدم انتاجه بأحد أروقة الجاحظية في قلب العاصمة. هذا الفنان الذي يحمل قبعة دركي، يذكّر الجميع بالشاعرة ـ ضابطة الشرطة ـ سميرة قبلي، والعقيد السابق والكاتب محمد شفيق مصباح، والضابط السابق محمد مولسهول المعروف باسم ياسمينة خضرا، تلك الظاهرة الجزائرية التي لا تتعارض فيها العسكرة مع الفن.
الخير شوار
معرض سليم رميل مميز، وهو عبارة عن 32 لوحة، بعضها مألوف لأنها إعادة رسم للوحات الفنان الجزائري حسين زياني، أو المستشرق الفرنسي إتيان دينيه الذي عشق مدينة بوسعادة في بوابة الصحراء وسكنها ثم أسلم وأطلق على نفسه اسم ناصر الدين، وهو دفين ترابها منذ بداية ثلاثينات القرن العشرين. صاحب المعرض لم يخف تأثره بهذين الفنانين الكبيرين، وبدأ حياته الفنية بإعادة رسم آثارهما، وسرعان ما تمكن من مزج الكلاسيكية بالانطباعية الحديثة وهما التياران اللذان ينتمي اليهما الفنانان المذكوران. وشيئا فشيئا اكتشف رميل طريقه، وكاعتراف منه بأثر الفنانين عليه يعرض لوحاتهما بريشته إلى جانب لوحاته الشخصية التي تمزج بين المدرستين وتحاول تجاوزهما معا. ويفتخر سليم رميل، بلوحة «بقرة اليتامى» التي استوحى فكرتها من حكاية شعبية معروفة في التراث الشفاهي المحلي، وهي تمثل طفلا بائسا ينام في الإسطبل إلى جانب كوم من التبن ويحلم ببقرة. لكن اكثر ما يلفت في الفنان رميل الذي جاء المعرض باللباس المدني أنه منخرط في سلك «الدرك الوطني» التابع لوزارة الدفاع. والفنان/الدركي تأثر بأخيه بشير خريج مدرسة الفنون الجميلة وواصل مسيرته الفنية بعصامية نادرة، وأقام الكثير من المعارض الفنية التي تلفت الانتباه.
والحديث عن تجربة هذا الرسام، يدفعنا إلى الحديث عن ظاهرة لافتة في الجزائر، وهي بروز مواهب أدبية وفنية تحت القبعات العسكرية، مثلما حدث قبل سنوات مع الشاعرة ـ ضابطة الشرطة ـ سميرة قبلي، التي «ملأت الدنيا وشغلت الناس»، واختلف كثيرون حول القيمة الأدبية لكتاباتها لكنهم اجمعوا على بروزها كنجمة إعلامية قبل وبعد صدور ديوانها الشعري الوحيد «غوايات» عن منشورات البرزخ، واحدة من أهم دور النشر الجزائرية. ولدت هذه الشاعرة في منطقة القبائل سنة 1977، وحصلت على ليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، قبل أن تصبح ضابطة، وواصلت مسيرتها الشعرية حتى أصدرت ذلك الديوان وكتب الروائي الشهير رشيد بوجدرة في مقدمته أن تجربتها تتميز بـ «حرية كبيرة في تكسير الجاهز من قواميس العشق والحب والالتزام». وأصبحت تكتب عمودا يوميا في إحدى أكبر الصحف اليومية في الجزائر قبل أن تنقطع وتتوارى عن الأنظار. ومع اختفائها كتب لها الروائي الطاهر وطار رسالة مفتوحة عبر الصحافة المكتوبة مفادها أن «ارجعي يا سميرة»، وعادت سميرة إلى عمودها الصحفي اليومي بالجريدة نفسها.
وبرز في السنوات القليلة الماضية محمد شفيق مصباح، الذي يكتب مقالات رأي مميزة، وقدّم حوارات صحفية مع أشهر الكتّاب والشخصيات السياسية والفكرية من مختلف أنحاء العالم. هذا الكاتب هو عقيد أمني سابق، وما زال يقدم الحوارات في كبرى اليوميات الجزائرية بالعربية والفرنسية، ومن حواراته المميزة تلك التي أجراها مع مدير المركز الثقافي الجزائري حاليا في باريس وهو الأديب الشهير باسم «ياسمينة خضرا». وقد برز خضرا منذ تسعينات القرن الماضي أيام أزمة الجزائر الدموية الخطيرة، وكان يكتب بواقعية وجرأة كبيرتين. وظن الجميع من خلال اسمه أنه امرأة، ليكشف عن هويته بعد ذلك ويعرف الجميع بأنه الضابط العسكري السابق محمد مولسهول الذي كان قد كتب قبل ذلك باسمه الحقيقي وباللغة العربية روايات لم تنجح. لكنه سجل النجاح تلو الآخر حين كتب بالفرنسية باسمه المستعار المثير. وظل محمد مولسهول الذي يوقع رواياته باسم زوجته ياسمينة خضرا يثير الجدل الأدبي والسياسي، برواياته السير ـ ذاتية، والبوليسية، ويقيم في باريس منذ مدة طويلة وتميز بغزارة إنتاجه. ومن أشهر رواياته «بم تحلم الذئاب» و«سنونوات كابول»، و«الأحمق والسكين». وظل رغم انكشاف هويته يحمل اسم ياسمينة خضرا إلى الآن وحقق شهرة دولية وترجمت أعماله إلى عشرين لغة. ورغم إقامته طويلا في باريس لم يعتبر خضرا نفسه لاجئا، بل كان بقاؤه هناك لأسباب أدبية حتى يكون قريبا من دور النشر، ويتنقل بسهولة بين الدول الأوروبية، وقد تم تعيينه في الأشهر القليلة الماضية رئيسا للمركز الثقافي الجزائري بالعاصمة الفرنسية. الكثير من الفنانين والشعراء الجزائريين يحملون قبعات عسكرية، ولا ندري ان كانت الظاهرة مرتبطة بالجزائر فقط؟ لكنها في كل الأحوال لافتة، وتجسر الهوة بين النظام العسكري المبني على الصرامة والانضباط والفن الذي يعشق الحرية.

27 مارس، 2008

فيروز





فنانة فوق السياسة

بعد غياب دام حوالي عشرين سنة عادت الفنانة فيروز إلى دمشق، التي بدأت منها رحلتها الفنية الطويلة، لكن عودتها هذه لم تكن فنية فقط، ولم تكن سياسية مثلما أرادها الجدل الذي رافق رحلتها، وإنما كانت فوق السياسة مثلما كانت طوال مسيرتها الفنية المتميزة.



الخير شوار
في بؤرة تعج بالسياسة التي تمتزج أحيانا بالفن، صنعت الفنانة فيروز الاستثناء برحلتها الدمشقية الأخيرة، فليلة الاثنين الماضية صدعت فيروز التي تجاوزت عقدها السابع بكثير من الرشاقة، وتمكنت بلغتها الفنية من تحدي محترفي السياسة في بلدتها، بل وأخلطت كل الأوراق من جديد في العلاقة الشائكة بين سوريا ولبنان، وتمكنت سوريا باستعمار الورقة "الفيروزية" أن تسجل هدفا ثمينا في الحلبة السياسة باستعمال ورقة الفن في بداية احتفالية "دمشق عاصمة للثقافة العربية"، وفي منطلقة حيث يخلط الفن بالسياسة تربعت السيدة فيروز على العرش وبقيت تصنع التفرد حتى وهي في سن الثالثة والسبعين، والفنانة التي اسمها في الأصل نهاد حداد انتظرت شهر ديسمبر 1946 لتتمكن من الالتحاق بمعهد الكونسرفاتورا الوطني، ويتم تقييد اسمها في "صف محمد فليفل" بدون أجر لتدرس الإنشاد والغناء و"الصولفيج" ثم التحقت بكورس الإذاعة بأجرة شهرية هي مائة ليرة لبنانية وعندها برزت لديها مشكلة الاسم الفني واتفق على اختيار اسم فيروز، وكان الذي اختار اسم "فيروز" هو الفنان الراحل حليم الرومي والد ماجدة الرومي، الذي كان مقتنعا بأن ذلك الصوت يمكن أن يتلون بالشرق مثلما يتلون بالغرب، وهي المعجزة التي حدثت فعلا وكانت فيروز جسرا بين حضارتين ولونين فنيين وبقيت كذلك حتى وهي في خريف العمر، ومما رسخ ذلك الاتجاه هو التقاءها بالفنان الراحل عاصي الرحباني، ومدرسة "الرحبانية" على العموم التي دام عطاؤها إلى الآن مع مختلف أجيالها، فما إن تعرفت على عاصي حتى اتفقت معه على لقاءات أثمرت في النهاية اشتراكها في عمل ثنائي اسمه "لما ولمياء"، ثم تطور ذلك الثنائي إلى زواج وزفت إليه عروسة في 1954 ، ولم تتوقف تلك العلاقة عند الزواج الاجتماعي فقد كان زواجا فنيا خالدا، واتسع عالم فيروز الفني يوما بعد يوم وكبرت الأسطورة التي كانت انطلاقتها من الغذاعة السورية والإذاعة اللبنانية، مع حفلات من دمشق وغيرها،
وقد نشأت أسطورة فيروز وتختفي وراءها نهاد حداد تلك الطفلة إلى الأبد، لكن الطفلة لم تختف من وجه الفنانة فيروز التي بقيت تصنع النجاح تلو الآخر إلى يومنا هذا.
عادت فيروز إلى دمشق التي انطلقت منها سنة 1952 وبعد حوالي عشرين سنة من الغياب، لتنطلق من جديد عبر المسارح الديمشقية التي بدأت منها رحلتها الطويلة، ولو أن دمشق التي تزورها هذه المرة ليست دمشق 1952 ولا حتى المنطقة هي نفسها، لكن فيروز تتألق في كل الحالات متحدية تحولا المنطقة وتقلبات السياسة، وفيروز التي تقدم في رحلتها الدمشقية الجديدة مسرحية "صح النوم" التي ألفها زوجها الراحل عاصي الرحباني، تدور أحداثها حول حكاية حاكم مستبد مستهتر تظهر من بين الناس امرأة فقيرة تتحداه، ويكون ذلك التحدي محور المسرحية التي مثلها فيروز، وخلف تلك المسرحية وأحداثها تتجلى حكاية كبيرة هي حكاية محترفي السياسة في تلك المنطقة وفي كل مناطق العالم الأخرى، بدكتاتوريتهم وعبثهم بمصائر الناس، وكيف يتغلب عليهم الفن والإبداع في النهاية، وهو حال فيروز، مع الذين يدّعون بأن في أيديهم مصائر الناس دون غيرهم، وفيروز التي توفي "عاصيها" سنة 1986 جربت بعده عدة ملحيننين أبرزهم فلمون وهبة وزكي ناصيف، و بشكل رئيسي اشتغلت مع ابنها زياد الرحباني الذي قدم لها مجموعة من الأغاني بيّنت قدرته على إبداع لون موسيقي خاص به يستقي من الموسيقى العربية والموسيقى العالمية، وهي نقطة قوة المدرسة الرحبانية عموما واستمرت تلك التجربة طويلا بعد غياب عاصي الرحباني.
وعلى غير عادة السياسيين الذين يحرصون بأن يكونوا متبعين، فقد صنعت فيروز الاستثناء، فزيادة على السياسيين الذين انتقدوها وتهجموا عليها، كان في الجهة المقابلة نفر من السياسيين يتدافعون من أجل حضور عروضها الفنية وفي كلتا الحالتين تغلبت فيروز على السياسة والسياسيين، فقامت بالفعل وتركت للسياسيين رد الفعل، ثم أن الرحلة الدمشقية تلك، التي كانت أقرب إلى الأسطورة منها إلى الحقيقة، وقد توارت فيروز لمدة طويلة ضمن الذكريات الجميلة في مقابل واقع قاس، إلى درجة أن بعضا ممن حضر العرض الأخير لم يصدق إن كان ما يراه بأم عينين حيقة أم مجرد حلم جميل، سرعان ما يستفيق به على واقع كابوسي مؤلم، لم تقتصر على عرض مسرحية "صح النوم" مثلما كان مقررا، بل تحولت إلى احتفالية جماهيرية كبرى بمقدم تلك الفنانة الكبيرة التي صنعت الحدث في كل مراحل حياتها، وتمكنت من تحريك الوضع في المنطقة نحو ديناميكية بعد أن سقط طويلا في مستنقع السياسة.


13 مارس، 2008

المسرح الجزائري أطلق حملة البحث عن مواهب

يجمع كباراً ومبتدئين مرتين كل شهر

المسرح الوطني الجزائري وبعد سنة استثنائية قدّم خلالها ما يقارب الخمسين عملاً، يحاول القائمون عليه مد جسور أقوى مع الأدب، بعد أن ظل الكتّاب يشتكون من قطيعة بين الحقلين. والفكرة التي تجسدت أخيراً هو فضاء «صدى الأقلام»، الذي يستضيف كتّاباً من مختلف التوجهات في مبنى المسرح الوطني بساحة بورسعيد، والغاية هي البحث عن مواهب جديدة من شأنها الكتابة للمسرح الذي بقي يقتات طويلا من الاقتباس عن المسرح العالمي.


الخير شوار
اختارت إدارة المسرح الشاعر والمذيع التلفزيوني عبد الرزاق بوكبة، لتنشيط «صدى الأقلام» الذي يعود بعد توقف لأشهر، «بتصور ونفس جديدين، من خلال إيجاد حوار مفتوح بين المسرحيين والأدباء، وبينهما وبين القراء والمتفرجين، بحثا عن علاقة متكاملة. ولئن كانت فكرة هذا اللقاء الجامع، ليست جديدة، والمسرح الوطني الجزائري دأب على تنظيمها من سنوات، مع مجيء الفنان محمد بن قطاف على رأس المسرح إلا انه يعود بأسلوب جديد، بعد التراكم الكبير للمسرحيات التي أنتجت السنة الماضية. ويقول فتح النور بن إبراهيم مسؤول دائرة الإعلام بالمسرح الوطني: «سيكون اللقاء نصف شهري. في النصف الأول من كل شهر نستضيف كاتبا معروفا وفي النصف الثاني نستضيف كاتبا مبتدئا نتلمس فيه موهبة جديدة. إذ نريد مدّ جسور بين مختلف الأجيال الأدبية من جهة، والكتّاب والمسرحيين من جهة ثانية»، ويضيف ابن إبراهيم بأن الهدف هو «اكتشاف مواهب جديدة للكتابة للمسرح، ثم تشجيعها على الاستمرار، مع العلم أن المسرح الوطني ينتج هذه السنة مسرحية جديدة عنوانها «الغوثية» وهي من اكتشافات صدى الأقلام في صيغتها الأولى. ولا نكتفي بهذا فنحن بصدد فتح ورشة «مسرح التجريب»، مهمتها العمل على إنتاج بعض الأعمال التي تمت قراءتها في «صدى الأقلام».
والشاعر عبد الرزاق بوكبة الذي اختير لتنشيط لقاءات «صدى الأقلام»، لم تكن له أيه صلة بعالم المسرح، إلا الإشراف على التدقيق اللغوي لمسرحية «أنسوا هيروسترات» التي أنتجت قبل أشهر، وتم تمثيلها بالفصحى، ومع نجاح تلك المغامرة، يبدأ مغامرة جديدة مع المسرح الوطني. أما كيف جاء الشاعر بوكبة إلى المسرح فالأمر بسيط، ويقول لـ «الشرق الأوسط»: «عرضوا عليّ الفكرة، وقبلتها، وسوف أعمل على استضافة أدباء من مختلف الأجيال». وعن الجديد الذي سيتبعه في تقديم هذه اللقاءات يقول: «تعود الكاتب أو الشاعر على قراءة نصوصه بأن يواجه الجمهور بورق ويقرأ منه بطريقة روتينية تنفّر المتلقي العادي. هذه الطريقة سوف تستبدل بطريقة «فرجوية» تعمل على توريط الأدب في طريقة الأداء المسرحي، والهدف هو إيجاد فرجة مسرحية يصنعها الأدباء أنفسهم من أجل تكسير الجدار الفاصل بين ما هو أدبي وما هو مسرحي. وأعتقد أن الهدف النهائي هو تحريض الكتّاب على الكتابة مباشرة للمسرح، حتى نتجاوز مشكلة النصوص المقتبسة».
ويذهب فتح النور بن إبراهيم مسؤول دائرة الإعلام بالمسرح الوطني بعيداً ويؤكد أن إدارة المسرح الوطني بالجزائر العاصمة أجبرت المسارح بالمدن الأخرى، على ضرورة اقتباس نص أدبي جزائري على الأقل للمسرح مرة في السنة، كامتداد لفكرة «صدى الأقلام».
ظل الكتّاب في الجزائر لمدة طويلة يعانون من تهميش نصوصهم، بالمقابل يعاني المسرحيون من انعدام النصوص المحلية، والنتيجة الاقتباس من الأدب العالمي الذي بولغ فيه بشكل لافت، وتأتي فكرة «صدى الأقلام» إلى جانب مشاريع الجوائز المغرية الخاصة بالكتابة للمسرح لتحاول إيجاد جسر ظل غائبا بين الأدب وخشبة المسرح.

21 فبراير، 2008

تحية لفريق «جبهة التحرير الجزائرية» في الذكرى الخمسين


رشيد بوجدرة يعود إلى السينما
من بوابة الرياضة

بعد انقطاع طويل عن الكتابة للسينما، يعود الروائي الجزائري رشيد بوجدرة مجددا للفن السابع، بفيلم يستعيد ذكرى فريق جبهة التحرير الجزائرية لكرة القدم، وفي الذكرى الخمسين لتأسيس ذلك الفريق ينطلق تصوير الفيلم في أبريل (نيسان) المقبل، فماذا عن الفيلم وعن قصته وعن تجربة بوجدرة في السينما التي كانت قمتها فيلم «وقائع سنين الجمر» الذي توج بالسعفة الذهبية لمهرجان «كان» العام 1975.


الخير شوار
حسب ما جاء في تصريح الروائي الجزائري رشيد بوجدرة لـ«الشرق الأوسط» فإنه من المنتظر أن يبدأ تصوير فيلم سينمائي يتعلق بتاريخ فريق «جبهة التحرير الجزائرية» الذي سيخرجه «بن عمر بختي»، وهو من أشهر المخرجين في الجزائر، وسبق له أن أخرج للسينما عدة أفلام أكبرها ذلك الذي يتعلق بالمقاوم الكبير «الشيخ بوعمامة» الذي عاصر الأمير عبد القادر الجزائري وواصل المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي بعد استسلام الأمير وترحيله إلى فرنسا، ثم إلى الشام، ومن مشاريع المخرج المستقبلية إخراج فيلم كبير عن الأمير عبد القادر كتب له السيناريو وزير الثقافة الجزائري بوعلام بسّايح.
بوجدرة وهو من أشهر الروائيين في الجزائر وأكثرهم إثارة للجدل في مختلف مراحل حياته، منذ أن اصدر روايته الأولى (التطليق)، بالفرنسية التي تناولت مسألة زنى المحارم سنة 1969 مرورا بقراره الكتابة باللغة العربية سنة 1982 مع رواية «التفكك»، ثم العودة مجددا إلى الفرنسية، وقراره الأخير بالعودة من جديد إلى الكتابة مباشرة باللغة العربية، بعد إنهائه لعقد خمس روايات مع دار نشر فرنسية، وعداوته الكبيرة للجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي كتب بشأنها كتابا هجائيا في بداية التسعينات، وتخليه عن اتحاد الكتّاب الجزائريين الذي كان يرأسه آنذاك، واختفائه بعد أن استباحت الجماعات المسلحة دمه، بالمقابل له علاقة وطيدة بالسينما وهو الذي كتب سيناريو وحوار عدد من الأفلام أشهرها «وقائع سنين الجمر» الذي أخرجه محمد الأخضر حمينة والذي نال السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي عام 1975، وقد أكد بوجدرة أن تصوير الفيلم الجديد سينطلق بشكل رسمي يوم الثاني عشر من شهر أبريل المقبل، بعد أن أعلن منذ مدة قصيرة عن انتهائه من كتابة ذلك السيناريو الذي يتناول فترة حساسة من تاريخ الجزائر المعاصرة، والأمر يتعلق بما عرف بـ«فريق جبهة التحرير الجزائرية لكرة القدم» الذي تأسس بالفعل في ربيع 1958 قبيل انطلاق فعاليات كأس العالم في دولة السويد حينها، بلاعبين محترفين في كبرى النوادي الفرنسية، كان بعضهم مرشحا لحمل الأوان الفرنسية (بحكم أن الجزائر كانت مستعمرة فرنسية)، لكنهم لبوا نداء الثورة وتخلوا عن الأضواء والمال والمجد لصالح قضية شعبهم، فمع التطورات التي عرفتها الثورة الجزائرية رأى قادتها ضرورة تأسيس فريق كبير يحمل القضية في الميادين الرياضية وتم الاتصال باللاعبين الجزائريين المحترفين الذين لم يتأخروا في تلبية النداء، وفي شهر أبريل من تلك السنة الحافلة تم الإعلان بشكل مفاجئ عن اختفاء اللاعبين الجزائريين من التراب الفرنسي والتحاقهم سرا بتونس مرورا بدول مجاورة، ولم تتمكن الشرطة الفرنسية التي أعلنت الطوارئ في القبض على واحد منهم وبالفعل تأسس ذلك الفريق الأسطورة، وانطلاقا من تونس انطلقت مسيرة ذلك الفريق واستطاع أن يجتذب له الأضواء التي كانت موجهة إلى السويد ونهائيات كأس العام، وتنقل نجوم الفريق إلى مختلف أنحاء العالم من تونس إلى بيكين مرورا بمدن أخرى، واستطاع أن يدافع عن حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره وكانت حصيلته في النهاية أنه لعب 62 مباراة، فاز في 47 منها، وتعادل في 11 وانهزم في 4 فقط وعند الاستقلال في عام 1962 تم تسليم المشعل وتأسس المنتخب الجزائري لكرة القدم، وبذلك بقي فريق جبهة التحرير من المحطات المضيئة في التاريخ الجزائري، والمفارقة أن أكبر انجازات منتخب الجزائر بعد الاستقلال كانت لها علاقة بذلك الفريق، فالمنتخب الذي فاز بالميدالية الذهبية لألعاب البحر المتوسط عام 1975 كان يدربه رشيد مخلوفي، وهو كان من نجوم فريق جبهة التحرير وهو نفسه الذي رافق المنتخب الجزائري إلى نهائيات كأس العالم بأسبانيا عام 1982 واستطاع أن يهزم المنتخب الألماني، ثم أن المنتخب الجزائري الذي فاز بكأس أفريقيا للأمم، وهي المرة الوحيدة في تاريخه التي يفوز فيها بذلك اللقب كان يدربه عبد الحميد كرمالي، الذي كان بدوره من نجوم فريق جبهة التحرير. بوجدرة الذي كانت له علاقة حميمة السينما وكتب له عدة تجارب ناجحة، مثل «وقائع سنين الجمر»، و«علي في بلاد السراب» للمخرج أحمد راشدي، و«نهلة» لفاروق بلوفة الذي كان بمثابة تضامن مع لبنان أثناء الحرب الأهلية، له ارتباط بالثورة التحريرية، التي كتب لها مسلسل تلفزيوني شهير هو «السيلان» لصديقه المخرج احمد راشدي، وكانت تلك الثورة حاضرة بقوة في رواياته خاصة، «الانبهار»، و«ضربة جزاء»، و«نزل سان جورج» (روايته الأخيرة)، وعن سر هذا الاهتمام قال لـ«الشرق الأوسط» أنه يتعلق بحنين لماضيه وقد التحق بالثورة وعمره لا يتعدى السبع عشرة سنة، وعند الاستقلال قرر أن يلتحق بالجامعة ويختر بعد ذلك طريق الفن، وعن الفيلم الجديد عن فريق جبهة التحرير قال إن السيناريو الذي كتبه اطلع عليه بعض أعضاء «جمعية قدماء فريق جبهة التحرير» التي يرأسها «سوكان» بمساعدة رشيد مخلوفي، وأن الجمعية بعد قراءة السيناريو توافق على مشروع الفيلم الجديد.
في شهر أبريل المقبل، يحتفل فريق جبهة التحرير بيوبيله الفضي، ولعل أحسن هدية له هو إنتاج فيلم يؤرخ لتلك الملحمة الكبرى، وهي مناسبة لعودة رشيد بوجدرة إلى الشاشة الكبيرة بعد انقطاع طويل، تراجع فيها مستوى السينما الجزائرية كثيرا، فهل تستعيد مجدها بعد عودة رشيد بوجدرة إليها؟

06 فبراير، 2008

«حلم لم يتحقق» يعرض في الجزائر



أول فيلم عن «قوارب الموت» يفتح الجرح فنياً
وصفت سنة 2007 المنقضية في الجزائر بـ«سنة الحرّاقة» (تنطق القاف جيما مصرية)، فلا يكاد يوم ينقضي دون أن تتكلم الصحف المحلية عن أخبار راكبي البحر ضمن ما تسمى «قوارب الموت»، والآن وبعد استفحال تلك الظاهرة الاجتماعية و«تجذّرها»، وصلت إلى السينما بعد إنتاج أول فيلم يتناول «الحراقة» صراحة، وهو فيلم «حلم لم يتحقق» للمخرج الشاب أحسن تواتي.
الخير شوار
فيلم «حلم لم يتحقق» قصته بسيطة، هي حكاية خمسة شبان وفتاة، يحاولون الهجرة غير الشرعية بعد أن ضاقت بهم السبل في بلدهم، لكن محاولتهم التي انطلقت من مرفأ الجزائر العاصمة تبوء بالفشل، ويتم القبض عليهم، ويودعون السجن، وفي الوقت الذي تنقضي فيه عقوبتهم، كان ينتظر منهم «التوبة» عن المغامرة، لكنهم يعاودون الالتقاء، ويحاولون المغامرة مجددا، لتنتهي أحداث الفيلم مفتوحة على كل الاحتمالات. فقد ينجح المغامرون في عبور البحر المتوسط، وقد يغرقون فيه، كما قد يلقى عليهم القبض، ويجربون السجن مرة ثانية. تلك هي خلاصة الفيلم القصير الذي أخرجه أحسن تواتي، وقد عرض أخيرا في قاعات السينما، وسوف يعرض في الثاني عشر من فبراير (شباط) الحالي ضمن ملتقى متخصص ينشطه باحثون في العلوم الإنسانية. وهو موضوع الملتقى الذي يعقد في هذا التاريخ بـ«المكتبة الوطنية الجزائرية».
فيلم «حلم لم يتحقق» وإن لم يكن الأول في مسيرة المخرج الشاب أحسن تواتي، فهو الأكثر جرأة واستطاع من خلاله أن ينال تغطية معتبرة في الصحف المحلية، وأخذ كعينة من أجل مشاهدته وتناوله في ملتقى علمي متخصص، بل ان العروض السينمائية الأولى للفيلم أحدثت نقاشاً واسعاً على هامش العرض. وأكد لمخرج تواتي لـ«الشرق الأوسط» أن الدافع الأول لكتابة سيناريو هذا الفيلم وإخراجه كان ذاتياً. فهو من بيئة شعبية، وله أصدقاء ومعارف جربوا «الحرقة». فبعضهم نجح في عبور البحر، وبعضهم ألقي عليه القبض وعاد من حيث أتى. وقال المخرج بأن بعض «الحراقة» الفاشلين في عبور البحر، حضروا العروض السينمائية وناقشوا الموضوع، بل أن بعضهم أجاب عوضا عن المخرج وبرر «الحرقة» في النهار مثلما جاء في الفيلم عوض الليل مثلما هو معروف. وهنا قال «الحراق» ان تجربته الشخصية قد وقعت فعلا في النهار. وعن سر اختيار تلك النهاية المفتوحة قال تواتي بأن «المشكلة أكبر من أن تختصر في فيلم قصير»، فكان عليه طرق الموضوع ليبدأ النقاش بعدها، وأن الظاهرة في تنامٍ مستمرٍ. فمن غير الممكن أن يضع نهاية غير مفتوحة. ولا يتردد أحسن تواتي في وصف فيلمه هذا بـ«السياسي»، وحسب ما صرح فإنه من غير المعقول التكلم عن موضوع «الحراقة» الشائك من دون تناول مختلف الجوانب ومنها السياسية، وهو سعيد بالنقاش الذي فتحه حتى ولو كان نقاشاً سياسياً وسيوسيولوجياً. أحسن تواتي، مخرج فيلم «حلم لا يتحقق» كان يمكن له أن يكون «حراقا» مثل شخصيات فيلمه الجديد، لكنه اختار الطريق الأصعب، من خلال دخول عالم السينما من بوابة التمثيل والإخراج. والفيلم الجديد هو الرابع في مسيرته التي انطلقت من المسرح. فقد بدأ سنة 2001 بفيلم «وعلاش يا دزاير» ومعناها «لماذا يا جزائر؟»، من تمثيل فنانين معروفين، ثم أنجز فيلماً قصيراً آخر عام 2004 بعنوان «موت قبل الموت» من تمثيل نخبة من الفنانين منهم سمير عبدون ومراد خان، وفؤاد بن طالب، وتبع مسيرته تلك بفيلم ثالث عام 2006 عنوانه «الغلطة». وقد عالج من خلاله ظاهرة الزواج العرفي وهو من بطولة الفنانين مصطفى عيّاد، وآمال وزناجي. وبعد تلك السلسلة من الأفلام الاجتماعية، التي تناولت ظواهر مثل انتشار «الايدز»، والبطالة والزواج العرفي، أحدث الفارق، وجاء فيلمه الأجرأ (من ناحية الموضوع على الأقل).
«حلم لم يتحقق» أنتج سنة 2007 ويعرض حاليا في حوالي ثلاثين دقيقة، جسدت بطولته جماعة من الفنانين الجزائريين هم حسان بن زراري، وعز الدين بورغدة، ومحمد بن داود وأحسن تواتي (المخرج) وقاسمهم البطولة الفنان سام فيكتوار، من دولة الكاميرون، يؤدي دور الشاب الأفريقي الذي يتخذ منطقة شمال أفريقيا محطة عبور للقارة الأوروبية. والفيلم اتهم بالمبالغة لأنه قدّم فتاة تحاول عبور المتوسط إلى الضفة الأخرى مع الشبان. لكن المخرج أحال منتقديه إلى أخبار الصحف المحلية التي أكدت ذات مرة، بأن خفر السواحل عثروا على قارب «حراقة» وعلى متنه عشرون فتاة. فالظاهرة برأيه عامة وتطال الذكر والأنثى. والفيلم من إنتاج التلفزيون الجزائري.
لا تزال أخبار المغامرين على متن «قوارب الموت» من الحراقة تملأ صفحات الجرائد المحلية في الجزائر وكل دول شمال إفريقيا، فلا يكاد يمر يوم من دون التحدث عن «الحراقة» الذين يغرق بعضهم في المتوسط أو الأطلسي، وبعضهم يلقى عليهم القبض في المياه الإقليمية للضفة الجنوبية، وبعضهم يجد خفر السواحل الاسبانية والإيطالية في انتظاره عند الضفة الشمالية. تلك الظاهرة كانت إلى وقت قريب من التابوهات التي لا يمكن مناقشتها علناً، لكنها أصبحت محور النقاش الإعلامي والسياسي. وها هي تصل إلى السينما، من خلال أول فيلم يعالجها، ومن المؤكد بأن الحديث عن الظاهرة سيتكرر فنيا، لأنه ما زال يتكرر على بحر الواقع بأشكال قمة في التراجيدية.

04 فبراير، 2008

بعد 20 سنة من ميلاد جيل 1988



الجزائر تحتفي بروايتها الجديدة



في الجزائر، حاليا، احتفاء غير مسبوق بالرواية الجديدة التي ظهرت بعد أحداث الخامس من اكتوبر (تشرين الأول) 1988، تلك الأحداث الفاصلة بين عهدين سياسيين، واتجاهين في الكتابة الروائية. وبعد حوالي 20 سنة من تلك الأحداث، جاء هذا الاحتفاء مع أهم جمعيتين تهتمان بالأدب، وهما «رابطة كتّاب الاختلاف» و«جمعية الجاحظية».


الخير شوار
انضم في شهر يناير (كانون الثاني) الحالي، إلى الساحة الأدبية الجزائرية روائيان جديدان، هما: كمال قرور صاحب «التراس.. ملحمة الفارس الذي اختفى»، وعبير شهرزاد صاحبة رواية «مفترق العصور»، الفائزان بجائزة مالك حداد للرواية التي تنظمها «رابطة كتّاب الاختلاف» برعاية جهات أخرى منذ ثماني سنوات. والجائزة التي تحمل اسم واحد من أهم الأسماء الروائية الجزائرية وهو مالك حداد الذي كتب باللغة الفرنسية وكان عاشقا للعربية رغم أنه لم يتمكن من إتقانها وقرر التوقف عن الكتابة نهائيا كموقف حضاري بعد استقلال الجزائر، وبقي في صمته الأدبي إلى أن توفي سنة 1978 نتيجة لحادث مروري مؤلم. ففي حفل بهيج بمبنى «المكتبة الوطنية الجزائرية»، تسلم الفائزان جائزتهما وفي اليوم التالي وقع كل منهما روايته الفائزة، بعد أن تم طبعهما بسرعة وصدرتا عن منشورات «الاختلاف» الجزائرية و«الدار العربية للعلوم» اللبنانية. ويبلغ عمر جائزة مالك حداد هذه، وهي أهم وأقدم جائزة جزائرية مخصصة لهذا الفن، ثمانية سنوات واستطاعت أن تقدم للساحة الروائية الجزائرية والعربية، سبعة روائيين لحد الآن. فالجائزة التي تنظم كل سنتين، فاز بدورتها الأولى مناصفة، إبراهيم سعدي عن عمله «بوح الرجل القادم من الظلام»، وياسمينة صالح عن «بحر الصمت» وطبع العملان الفائزان، وصدرا عن «دار الآداب» اللبنانية. ثم فاز بالدورة الثانية مناصفة عيسى شريّط بروايته «لاروكاد»، وإنعام بيوض برواية «السمك لا يبالي»، وصدرتا عن «دار الفارابي» اللبنانية. أما الدورة الثالثة من الجائزة، فقد فاز بها حسين علام وصدرت روايته الفائزة «خطوة في الجسد» عن «الدار العربية للعلوم» اللبنانية ومنشورات «الاختلاف الجزائرية».
يذكر أن الفائزين بجائزة مالك حداد تقدمهما الجائزة كروائيين لأول مرة، ولم يسبق لهم نشر روايات قبل فوزهم بالجائزة ما عدا إبراهيم سعيدي صاحب «بوح الرجل القادم من الظلام»، الذي بدأ الكتابة الروائية والنشر قبل أحداث أكتوبر (تشرين الأول) 1988م، لكنه تمكن من تجاوز نفسه وجدد خطابه الروائي وتقدم من جديد إلى الساحة الأدبية الجديدة حتى أصبح يعد من الروائيين الجدد. وهو المخضرم الذي انتمى إلى الجيل القديم مثلما ينتمي إلى الجيل الجديد.
وفي الوقت نفسه الذي قدمت فيه جائزة مالك حداد روائيان جديدان إلى الساحة الأدبية الجزائرية، بدأت «جمعية الجاحظية» التي يرأسها الطاهر وطار سلسلة الندوات الشهرية، انطلقت يوم 29 يناير (كانون الأول) الحالي، تتناول بالنقد والدراسة تجارب روائية للجيل الجديد. وقد سطرت الجمعية ست جلسات تتناول تجارب كل من حميد عبد القادر الكاتب الصحافي الذي عرف بروايتي «الانزلاق»، و«مرايا الخوف»، وعز الدين جلاوجي الكاتب المسرحي والروائي، إبراهيم سعدي الفائز بجائزة مالك حداد قبل سنوات، وبشير مفتي الروائي وأمين عام رابطة كتّاب الاختلاف، وجيلالي عمراني صاحب روايتي «المشاهد العارية»، و«عيون الليل»، وسفيان زدادقة الذي عرف بروايتي «كواليس القداسة» و«سادة المصير». وهي أصوات متعددة من الحساسية الأدبية الجديدة. وينشط تلك الندوات الشهرية نقاد أكاديميون من جهة وكتّاب من جهة ثانية. وحسب الروائي الطاهر وطار الذي يشرف الندوات، فإنه اختار طريقا ثالثا بين القراءة الإبداعية الحرة من جهة والدراسة الأكاديمية المحكمة من جهة ثانية. واختارت الجمعية من بين الروائيين الكثيرين الذين برزوا بعد سنة 1988، أولئك الذين لهم تراكم في الكتابة الروائية، ونشروا روايتين أو أكثر. ويأمل الطاهر وطار المحسوب على الجيل القديم، أن تكون تلك الندوات فرصة لتسليط الأضواء على التجارب الجديدة التي اشتكى أصحابها كثيراً من الإقصاء والتهميش، خاصة من قبل «الجيل الأدبي القديم»، الذي يعتبر وطار أحد رموزه. ومعروف ان الرواية الجزائرية التي كتبت بعد أحداث أكتوبر 1988 أحدثت قطيعة حقيقية مع الرواية التي كتبها الجيل السابق، المحسوب على «الواقعية الاشتراكية». لكن الجيل الجديد الذي نشأ وسط أحداث العنف الدموي المأساوي، لم يتمكن من طبع أعماله إلا بصعوبة بالغة، وقد فرض نفسه على الساحة بشكل واضح عندما تراجعت أزمة النشر الخانقة التي عرفتها البلاد منذ نهاية تسعينات القرن العشرين. والجيل الجديد الذي بدأ عدميا متمردا على كل شيء، سرعان ما تعددت الأصوات داخله، واستطاعت الكثير من التجارب فيه أن تفرض الاعتراف بها داخليا وخارجيا.
بعد عشرين سنة من أحداث 1988 التي أنجبت «الرواية الجزائرية الجديدة» يحتفى بهذه الرواية بطريقتين مختلفتين. فلئن كانت «رابطة كتّاب الاختلاف» التي أسسها بعض الكتّاب الجدد أنفسهم تواصل ترسيخها لهذه الحساسية الجديدة من خلال استمرار جائزة مالك حداد، فإن احتفاء «الجاحظية» ورئيسها الطاهر وطار بالكتابة الروائية «الصاعدة» هو الحدث. فالرواية الجديدة التي رفضتها المؤسسة الأدبية الرسمية في الجزائر بقوة أولاً، ثم تجاهلتها، جاء اليوم الذي يعاد لها الاعتبار. فهل ستكون 2008 هي سنة الرواية الجديدة في الجزائر؟

22 يناير، 2008

قراءة تأويلية في رواية "حروف الضباب" للروائي الخير شوار


الحروف والمحنة



يوسف بوذن

-1-
هذه مؤانسة تبتهج كلما كان للحرف طعم الصمغ المعتق، والمحنة مُرّة كطعمه أو يزيد، هي ريحانة تجرّب عطرها في دروب الجمال، والجمال حظ ونصيب .
نشأت على حدود الكتاب كما ينشأ النبات على ضفاف الساقية، والنبات نافع كله متى كانت للسواقي لغة وفصاحة وخيال.
إن درس المؤانسة كتابة ثانية وموال يلحّن معاني المحنة.
وقد سبقها إمتاع، وهو جواد يبدأ تعريفه في الصحراء، أو البحر ربما، أو في الضباب!
والإمتاع ليلة واحدة، وكفى.
في الليل تـنزّلت الحكاية، والليل مهبط الوحي والسرد، والليل ينادي اليقظة، والنهار مؤجل أو وباء يفتك بالقبيلة.
ولولاه (الإمتاع)، لظلت الحاشية، رهينة البياض، والبياض غربة واحتمال.
هو حكاية بسيطة وغيبٌ، أما الرواية فهي شوق، أولّه كما بدأت:"في سابق الزمان..."
وتعني:" الآن في هذا الزمان...." وآخره الموت والسقوط في العتمة حيث الفم يرغب في الكلام، لكن الأفكار تهرب بعيدا.

-2-
كان الراوي مطمئنا في روايته، أمينا في نقلها، محايد إلى درجة البرودة، يعرف ما يزول وما يبقى، يعرف تفاصيل الحكاية وكأنها قامت دفعة واحدة، وفي ليلة واحدة، طويلة.
وعندما كان بلغته الواضحة، السافرة، يشكل جسد الرواية ولا يتدخّل في نسجها ونسيجها، كان يرفض المشاركة وينتصر على المتلقي ويهيمن عليه، فلا مجال للسؤال، الراوي يعرف البداية والختام.
هل المتن قابل للحفظ عن ظهر قلب؟ انه استبداد الدليل والرّاحلة التي تقود الحكاية مأمورة إلى مستقرها ومثواها.
هذا وجه الناطق الرسمي باسم الحكاية.
والحكاية أقامتها القبيلة، بل هي صداها، والصدى ترجيع لا ينتهي.
وكأني بها تقول على لسان رنين الحداثة:
- هاهي القبيلة تتظاهر بالخوف على المصلحة، بامتلاك دورة الخلاص والتخليص، باعتماد حرية الآخر ذريعة لإلغاء هذا الآخر، انه في ميزان مركزية الأنا(أناها) غير سوي، غير صالح، شقي، لأنه غير مألوف، فإنها تبدع له النعوت، تصنعها بالصلصال تارة، وبالهباء تارة أخرى.
القبيلة قضاء وقدر، اجتماع على رمز واعتقاد، إجماع يُزيح الفرد ويفتك بالاختيار...
المرأة لا تحب، بل تتزوج الذي يختاره كبار القوم، والهامشي لا يحب من كانت مضرب الأمثال، لأنها نصيب الرخاء.
تلوذ بكلام مثل:"و ليفعل الله ما يريد..." لأنها تخشى المواجهة.
القبيلة تعيد إنتاج القبيلة، زمن دائري يكتشف أو يتعثر دوما ببدايته.
القبيلة مستريحة إلى طقوسها، وفي ركود الحياة اليومية تفقد أفقها التاريخي، سياجها وحماها تراكم الشعائر، وقانونها التحريم والتثبيط والأنياب.
هي جماعة تتذكر الرموز وتتأكد من صحة الذاكرة، ترتل الأوراد، لتشعر بالامتلاء
والحضور، لا تبحث عن أسباب العطب والوباء، وإن حصلا، ا فهذا بلاء يستدعي الطهارة
والبخور وطلب الغفران.
القبيلة بيت الطاعة و" الزواوي" نشوز وابتلاء.
القبيلة أبٌ، و"الزواوي" يتيم الأب!
القبيلة أنجزت وعدها واستعادت مجدها الأول و"الزواوي" فاتحة التأويل.
القبيلة، غايتها القبيلة، و"الزواوي" سؤال حارق، معرفة مُحبّة وعاشقة، أبدا مولعة باقتداء الياقوت(الحقيقة).
عندما حاول فض بكارة التميمة، غرق في الدوامة، ولما نهض، كان أول ما قاله:
-الياقوت، الياقوت، أين أنت؟

-3-
و الراوي كما قلنا لسان القبيلة وحارسها الأمين، ألم تعطه اليقين ونشوة الانتصار؟
ما لم يقله الراوي، تحرر عندما كانت القبيلة نائمة، إذ كانت الحكاية تهرب من حين إلى حين، كما كانت تفعل" الياقوت" عندما كادت أن تصبح رسميا في "رقبة" التهامي.
- في ليلة ظلماء ودون أن يخبر أحدا، رحل" الزواوي الأول" ليؤسس حول النبع الأسطورة
والقداسة.
- و كانا يلتقيان(الزواوي الثاني والياقوت) كل ليلة، في الأحلام، بعيدا عن أعين الرقباء.
- و كان" الزواوي الثالث" يغادر فراشه ليلا ليحدّث شجرة التين، حديث الإنس للإنس وكان موعدا مع الياقوت.
الحكاية كادت أيضا أن تصبح في "رقبة" الراوي لو لا محنة الزواوي أخرجتها من الرتابة والاكتئاب.
البطل واحد، مفرد بصيغة الجمع، أو جمع بصيغة المفرد، وجه واحد يتناسل في زمن القبيلة الرتيب...
المحنة، جهد في السير، تخليص بالنار وتدبر في القول.
و ماذا تطلب المحنة؟
إنها لا تطلب ياقوتا بل تطلب الياقوت، هكذا وردت معرّفة في الرواية، و"الزواوي" في مراتبه كَلَفٌ بالياقوت.
والياقوت، حجر كريم، رزين، شفاف، تختلف ألوانه كالحقيقة، بل هو الحقيقة ذاتها.
"الزواوي" جهد واجتهاد، عشق وجنون، محبة للحقيقة، لكلام الكلام.

-4-
نحن أمام هزيمة أخرى إذن؟
وجع آخر، حلم آخر تضيق به جغرافية المكان وأسمائه، فيطلب تمبوكتو أو نيسابور!
تقول الفلسفة: عندما ينضب التاريخ الاجتماعي، يبرز التاريخ كحركة رمزية.
هي إذن رواية الوباء والأحلام المنكسرة.
السلطة (القبيلة)، لا تقبل غير قانونها، وكل خروج عن نسقها، يقابله الاستبعاد والنفي في أقاصي الغربة والعزلة.
و أمام العارف، الحالم، العاشق، المثقف، خيارات ثلاث:
- التمرد على القبيلة، وإنجاز نبعه الخاص، وتأخذ الياقوت(الحقيقة) شكل الذكرى الحالمة والمستحيلة، إنه الوفاء البر لحلم لا يتحقق.
- مهادنة القبيلة، فلا تنال الياقوت(الحقيقة) إلا ناقصة، عرجاء، حتى وإن تناسلت
وانفتح حزامها كلية.
- التلاشي من القبيلة، إذ تغدو الحقيقة مجرد وهم، حروف من الضباب.
هكذا يتجذر موقف السلطة من أي حلم يولد خارج نفوذها، أي حلم لم تصنعه السلطة(و هل تصنع السلطة حلما واحدا؟!)تكون نهايته التلاشي.
السلطة ماض والحلم مستقبل...
و أمام الحلم، أبواب ثلاث:
باب التمرد، مختوم بطابع الملحمة، وفيه يتحول الحلم إلى أسطورة!
باب المهادنة وهو باب يقود إلى الطاعة.
و باب التلاشي وهو باب السقوط في الحيرة، في الجرح الذي ينخر العقل، وتصبح البشارة:"حافظي على هذا الولد.... إني أرى فيه شأنا" خالية من المعنى، إنها العدمية تُطلّ بكل عنفوانها.
والحكاية كما هي الآن تدحرج إلى العبث والعدمية.
فما أشبه هذه الحكاية بنا!
من هي الياقوت؟ إنها الحقيقة.
من هو الزواوي؟ إنه المثقف.
من هي "عين معقال"؟ إنها هذه الجغرافيا التي تسمى مجازا: الوطن
وماذا منحت له الحكاية؟
العزاء والفدية!