Loading...

18 يونيو، 2009

أدونيس ودرويش بلسان الأمازيغ لأول مرة



تمكن أخيرا شاعر جزائري يكتب باللغة الأمازيغية واللغة العربية، من ترجمة بعض أعمال أدونيس ومحمود درويش الشعرية إلى الأمازيغية، في تجربة غير مسبوقة.


الجزائر: الخير شوار

أحمد سليم آيت وعلي، كاتب صحفي وشاعر باللغة العربية واللغة الأمازيغية، وفي تجربة غير مسبوقة اختار نقل بعض أشعار أدونيس ومحمود درويش إلى اللغة الأمازيغية بلهجتها القبائلية، وشكّل ذلك حدثا ثقافيا طريفا عندما ألقى نماذج من تلك التجربة في المسرح الوطني الجزائري على هامش احتفاليات "القدس عاصمة أبدية للثقافة العربية" التي تنظمها الجزائر على مدار سنة كاملة. وينتظر أن تصدر تلك التجارب قريبا في شكل كتب مما يسهم في تأسيس "مكتبة أمازيغية" أدبية ظلت إلى وقت قريبا أقرب إلى اللغة المحكية منها إلى المكتوبة، ولم تنل الاعتراف بها كلغة "وطنية" في الجزائر إلا مع بداية هذه الألفية الجديدة بعد نضال ثقافي وسياسي كبيرين. ومازال الجدل قائما حول طريقة كتابتها بين مفضّل للأحرف العربية ومفضل للأحرف اللاتينية أو "كتابة تفناغ" القديمة التي وجدت ضمن آثار التاسيلي بمناطق الطوارق.

وتكمن أهمية هذه الترجمات التي قام بها أحد الشعراء الذين جمعوا بين الثقافتين العربية والأمازيغية، في إذابة الحاجز بين الثقافتين، بعد السجال الذي دام طويلا والذي تطور من ثقافي إلى سياسي قبل أن يتوارى قليلا في السنين الأخيرة. ويأتي إنجاز الشاعر أحمد سليم آيت وعلي هذا في إطار التجربة التي بدأها سنة 2006 ضمن برنامج "الطريق يتذكر" التي يعدها ويقدمها كل أسبوع على أمواج القناة الإذاعية الجزائرية الثانية الناطقة باللغة الأمازيغية، ففي إطار هذا البرنامج بدأت أشعار الهندي طاغور والفرنسي شارل بودلير والفارسي القديم عمر الخيام تدخل الثقافة الأمازيغية التي كانت في السابق منطوية على ذاتها ولا تعرف إلا الشعراء الناطقين بها على غرار سي محند أومحند ولونيس آيت منقلات ومعطوب الوناس الذي اغتيل في ظروف غامضة سنة 1998م، وجاءت ترجمات ممدوح عدوان وجبران خليل جبران، قبل ترجمة بعض أعمال محمود درويش وأدونيس في الآونة الأخيرة.

وحول هذه التجربة يقول أحمد سليم آيت وعلي لـ"الشرق الأوسط" أنه وجد صعوبة بالغة في تحويل أشعار أدونيس إلى الأمازيغية، ويقول أن أحد أصدقائه خاطبه مازحا عندما علم بترجمة بعض أشعاره أن أدونيس يحتاج إلى ترجمة إلى اللغة العربية أولا قبل أن يترجم إلى الأمازيغية أو إلى أي لغة أخرى. ويضيف أنه أصيب بصداع كبير وهو يشتغل على أشعار أدونيس وكان يسهر معه إلى الساعة الرابعة صباحا في بعض المرات حتى يقترب من روح تلك النصوص وكم كانت فرحته كبيرة وهو يكسب التحدي وينجح في تحويل أشعار أدونيس بمحمولها الفلسفي إلى اللغة الأمازيغية. وعن محمود درويش فهو اختار نصوصه الأولى "الثورية" "لأسباب نضالية" كما يؤكد ومعروف عن الشاعر أحمد سليم آيت وعلي في الجزائر ميوله النضالية الأقرب إلى اليسار بمفهومه الواسع. ويؤكد آيت وعلي أنه يمتلك قاموسا (عربي – أمازيغي)، وكان يفترض أن يستعيد به على الترجمة لكنه وجد نفسه بعيدا عنه، فالعملية الفنية التي كان بصددها وهو يغوص في لغتين ويعيد إنتاج العملية الشعرية بين لسانين، جعلته يكتشف محدودية القاموس ويلجأ إلى الإبداع الحر بعيدا عنه.

جاءت ترجمة بعض أشعار أدونيس ومحمود درويش إلى اللغة الأمازيغية تتويجا لجهد كبير وحلم أكبر رواد صاحبه الذي كان يتمزق وهو يرى ذلك الصراع المفتعل بين ثقافة نشأ في كنفها وأخرى عشقها وكتب بها لسنين طولية، وينتظر أن يتجسد هذا الحلم أكثر مع صدور تلك الترجمات في كتب تزيل بشكل عملي وملموس ذلك الجدار الوهمي الذي يفصل الثقافة العربية والثقافة الأمازيغية وهما وجهان لثقافة واحدة في الجزائر وشمال إفريقيا.

14 مايو، 2009

بابلو نيرودا.. سفيرا فوق العادة لدولة تشيلي لدى الجزائر





تنظم سفارة دولة التشيلي لدى الجزائر، للعام الثاني على التوالي، معرضا متنقلا بين مختلف المدن، للصور الخاصة بالشاعر بابلو نيرودا، الذي أصبح بمثابة السفير الدائم لهذه الدولة لدى الجزائر، وهو الذي اشتغل في حياته بالدبلوماسية، وأصبح بعد وفاته «أيقونة» تشيلي من دون منازع. 

فمنذ أيام، انتقل سفير دولة التشيلي لدى الجزائر من مقر إقامته بالعاصمة، إلى مدينة المدية (نحو 100 كيلومتر إلى الجنوب)، ترافقه حرمه والقنصل العام في السفارة، حيث دار الثقافة للمدينة التي تحمل اسم الفنان الكوميدي الجزائري الراحل حسن الحسني، وهناك أشرف على افتتاح معرض لصور تتناول مراحل مختلفة من حياة الشاعر بابلو نيرودا، أحد أكبر الشعراء باللغة الإسبانية في القرن العشرين، والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1971 قبل وفاته بحوالي سنتين.

المعرض أطلق عليه اسم «الغائب»، وهو عبارة عن أربعين صورة، التقطها الشاعر بنفسه أو التقطها له بعض الأصدقاء المقربين، وتلخص مسيرة هذا الشاعر الذي أصبح بمثابة رمز دولة التشيلي، وخير سفير لها في العالم، ولا يزال كذلك على الرغم من أنه غادر الحياة منذ سنين طويلة. وكانت السيدة أنيتة زوريبيشل قرينة سفير الشيلي لدى الجزائر قالت عند تدشين معرض الصور، إن نيرودا سيبقى «رمزا حيا بالنسبة لكل التشيليين». وفي المناسبة ذاتها قال سفير دولة التشيلي في الجزائر إن المعرض الذي حط رحاله في مدينة المدية جنوب الجزائر، سيجوب مدنا ومناطق أخرى من خارطة الجزائر الكبيرة، حتى يتعرف المزيد من الجزائريين على هذا المعلم الشعري العالمي الكبير. 

ونيرودا، الذي نال أكبر الجوائز الأدبية في العالم، عمل في حياته في المجال الدبلوماسي كمستشار، وبعد انتخابه سناتورا، جرب حياة المنفى، ليعود إلى بلده سنة 1970، وسرعان ما التحق من جديد بالحقل الدبلوماسي، في عهد صديقه الرئيس الراحل سلفادور أليندي، الذي قتل في انقلاب عسكري عام 1973، وهي السنة نفسها التي توفي فيها هذا الشاعر الكبير. ومن سخرية الأقدار أن جلاده وجلاد صديقه، الجنرال أوغيستو بينوتشي تطارده الفضيحة والجريمة السياسية التي ارتكبها وهو في أرذل العمر، وأفلت من العقاب بعد أن غادر الحياة وقد تجاوز التسعين من عمره، لتبقى صورة نيرودا ناصعة في التاريخ، ويصبح خير سفير لدولة التشيلي في العالم، وفي الجزائر طبعا.

وليست هذه المرة الأولى التي يقام له فيها معرض متنقل بين مختلف المدن والمقاطعات الجزائرية. ففي مثل هذا الوقت من العام الماضي، أقيم لنيرودا معرضا متنقلا للصور جاب نحو 20 ولاية (مقاطعة جزائرية)، إضافة إلى أمسية أدبية تكريمية حضرتها الكاتبة التشيلية أدريانا لاسال، ونخبة من الشعراء الجزائريين في المكتبة الوطنية الجزائرية. 

الجزائريون الذين تضامنوا مع بابلو نيرودا، طيلة الأحداث التي أعقبت الانقلاب في تشيلي عام 1973، قرأوه بالفرنسية، خاصة من خلال كتابه الأشهر «أشهد أني عشت» الذي كان دعوة لاكتشاف أميركا اللاتينية، قبل أن ينجز الشاعر عبد الله حمادي، أول جزائري يتخصص في الأدب الإسباني، كتابه المرجعي باللغة العربية «اقترابات من شاعر تشيلي الأكبر بابلو نيرودا»، وذلك بداية ثمانينات القرن العشرين. وهو عبارة عن سيرة حياتية شعرية متبوعة بترجمات لأشهر قصائده، التي شكلت رافدا مهما لتجارب الشعراء الجزائريين الذين سيكتبون باللغة العربية بعد ذلك. 

سفير التشيلي (الرسمي) لدى الجزائر، أدرك أن مهمته تلك هي سياسية بحتة، وأن خير سفير لبلده في الجزائر، وفي العالم ككل هو الشاعر بابلو نيرودا، وربما هذا هو سر التكريم المتواصل له سنة بعد أخرى.

27 أبريل، 2009

هل المنتجون الجزائريون جاهزون لفتح السمعي البصري؟


 

الخير شوار 

عندما أقدم وزير الثقافة والاتصال، نهاية تسعينيات القرن الماضي، على حل المؤسسات السمعية البصرية الممثلة في الوكالة الوطنية للأحداث المصورة، والمؤسسة الوطنية للإنتاج السمعي البصري ومؤسسة الإنتاج السينمائي، كان المبرر هو القضاء على تلك الأطر التي حوّلت إلى مؤسسات بيروقراطية فاشلة من أجل خلق أطر بديلة، واستبشر أهل القطاع في ذلك الوقت خيرا لتلك الخطوة، لكن وعوض أن يتقدم القطاع أكثر، أصيب بشلل شبه كامل، ولم يتوصل المختصون والمسؤولون إلى أي صيغة بديلة، وبقي الإنتاج السمعي البصري يقتات من الصناديق الخاصة، في غياب أي إطار قانوني بديل، والنتيجة هي وضع كارثي بكل المقاييس· ويأتي الشلل في وقت تسارعت فيه الأحداث وأصبحت الفجوة كبيرة جدا مقارنة بأقرب الجيران· المنتجون الخواص يؤكدون بأنهم رهائن زبون واحد، وهو التلفزيون العمومي الذي يشتري إنتاجهم إن شاء مسؤولوه دون أي سند قانوني يحميهم، وبعض المسؤولين عن التلفزيون يؤكدون بأن تلفزيونا واحدا لا يمكن أن يحل مشكلة معقدة من هذا النوع، هي تراكم مشاكل القطاع لسنين طويلة· والحل؟ يجمع الكل على ضرورة فتح القطاع السمعي البصري، ولئن أجمعوا على أن الأمر في حاجة إلى قرار سياسي، إلا أنهم يختلفون في كيفية الحل، البعض يؤكد على ضرورة فتح المجال للخواص، والبعض الآخر يقول بضرورة الاستفادة من تجربة الإذاعة التي تعددت كثيرا من المحطات الجهوية والمحلية، والكلمة للمتخصصين .

هل القطاع السمعي البصري في حاجة الآن إلى قرار سياسي، يكون بمثابة الحل السحري لمشاكله المتراكمة منذ سنين طويلة، أم أن الأمر أعقد من ذلك، وما هي مشاكله بالضبط، هنا نظرة من مخرج وأخرى من باحث أكاديمي يحاولان الاقتراب من المشكلة بمختلف أبعادها· 

 

بن عمر بختي (مخرج): 


لابديل عن فتح نقاش حول السمعي البصري

 

يرى المخرج التلفزيوني والسينمائي بن عمر بختي أنه لا بديل عن فتح مجال السمعي البصري للنقاش، من أجل خلق استراتيجية نتجاوز بها الفجوة الموجودة في هذا المجال، مقارنة بالدول المغاربية·

 

هل فتح القطاع السمعي البصري أمام المستثمرين الخواص في الوقت الحالي ضروري؟ 

يجب فتح الوسائط الإعلامية كلها، بما فيها الصحافة المكتوبة والتلفزيون والراديو، من أجل خلق نقاش اجتماعي وسياسي في كل الميادين، وهذا الأمر سيعطي دفعا جديدا للمحترفين في هذا الميدان، وحتى للجمهور الذي سيستغل آراء المنتجين في كل ميدان· كما أن السمعي البصري ليس بمعزل عن الثقافة بوجه عام، وأنا أرى أن للصحافة دور كبير في هذا المجال من أجل انفتاح ثقافي أكثر، وكل طرف يجب أن تكون له آراء في هذا المجال من أجل فتح نقاش حقيقي، وفي هذا الصدد أنا متتبع جيد للتلفزيونات الدولية والمغاربية، وعلينا الاستفادة من تلك التجارب·

 

لنبقى في التلفزيونات المغاربية، الأقرب إلى محيطنا·· كيف يمكن أن تقارن بيننا وبين تلك التجارب المغاربية (تونس والمغرب نموذجا)؟ 

لدينا تأخر كبير في هذا المجال، حتى مقارنة بالتجارب المغاربية القريبة، ولنأخذ التجربة المغربية على سبيل المثال، وبدون مبالغة لهم حوالي 400 مهرجان سنوي، مهرجانات في الموسيقي والمسرح والسينما والشباب، وحتى نرى وجه المقارنة هناك مثلا مهرجان تطوان ومهرجان مراكش الذي له سمعة عالمية، ومهرجان أصيلة ومهرجان أغادير ومهرجان خريبقة، إضافة إلى اللقاءات الكثيرة الأخرى، أما نحن فلم ننظم إلا مهرجانا عربيا واحدا للسينما في وهران·

 

وفيما يخص القنوات التلفزيونية؟ 

الأمر نفسه، أنا أتابع البرنامج التلفزيوني لتونس وللمغرب، وأعتقد أن هناك فرقا كبيرا بيننا وبينهم·

 

لديهم تلفزيون عمومي، مثلما لدينا نحن·· أين الخلل بالضبط في رأيك؟ 

الخلل يكمن في انعدام سياسة سمعية بصرية في بلادنا، فلماذا نظمنا النقاش في علاقة المنتجين بالتلفزيون؟، لأنه لا توجد شفافية في هذه العلاقة، ولا يوجد اتصال بين الجانبين، وبالخصوص المشكلة الأخيرة، فلتقم بتجربة أنت، لا تتقدم كصحفي وإنما تقدم إليهم كمنتج، لن تحصل على جواب بالمرة، وأنا كمنتج لم أحصل على أي جواب حول مشاريعي·

 

عندما تطرح الإشكال على المسؤولين، يقولون إن الإمكانيات متوفرة، فأين الخلل بالضبط؟ 

نحن كمنتجين عندما نتكلم مع المسؤولين، يقولون لنا إن الإمكانيات غير موجودة، وسوف أذهب معك بعيدا في هذا المجال، سأتحفّظ على ذكر اسم الشخص الذي كان وزيرا للثقافة، وطرحت عليه مشكلة انعدام المال المخصص للانتاج السمعي البصري، وحينها اقترح عليّ مع زملائي المنتجين إنشاء جمعية مهمتها الاتصال بوزير المالية من أجل الضغط عليه، حتى يمنح الميزانية اللازمة لما نريد، فما هو دور وزير الثقافة في هذا المجال إذا كان يكتفي بتوجيهك إلى وزير المالية؟ أليس دوره الدفاع عن برنامجه واستراتيجيته في خدمة القطاع الثقافي؟ هذا مثال صغير على المشاكل الكثيرة والمعقدة المطروحة في هذا المجال·

  

عاشور فني (باحث في اقتصاديات الإعلام المرئي والمسموع):

 

مشكل السمعي البصري في الجزائر جزء من أزمة أعمق

 

يؤكد عاشور فني، الأستاذ الجامعي والباحث في اقتصاديات الإعلام المرئي والمسموع، أن مشكلة السمعي البصري، ما هي إلا جزء من مشكلة أعمق تتعلق بغياب الأطر القانونية المنظمة للقطاع، ويرى ضرورة قرار سياسي لانفتاح سمعي بصري يستفيد من تجربة الإذاعة في هذا المجال·

 

وضع السمعي البصري في الجزائر كارثي مقارنة مع أقرب جيراننا المغاربيين، لماذا في رأيك؟ 

السمعي البصري في الجزائر يتطلب نشاطا ثقافيا حثيثا، ظهر في المسرح ثم في السينما ولاحقا مع المنتجات التلفزيونية مع تطور دور الدولة الثقافي في الجزائر، وكان دائما يرتكز إلى الدور القوي للدولة الجزائرية وإلى التمويل العمومي، وفي نفس الوقت كان الاستهلاك الثقافي المتجه نحو القطاع السمعي البصري، استهلاكا جماعيا، في قاعات السينما وقاعات الحفلات، ويتمثل أيضا في مشاهدة التلفزيون، والمشاهدة هنا تتطلب إنتاجات من المنتجين·

 

هل المشكلة تكمن في غياب الأطر والتشريعات المنظمة للقطاع؟ 

منذ بداية التسعينيات إلى حد ما، بدأت المؤسسة العمومية تتخلى عن تمويل الإنتاج السمعي البصري، نظرا للصعوبات المالية التي لاقتها المؤسسات العمومية، والإدارة العليا للإنتاج السمعي البصري في الجزائر، كما أنه في بداية التسعينيات كانت هناك التلفزة العمومية من ناحية، وكانت هناك المؤسسة العمومية للإنتاج السمعي البصري، ووكالة الأحداث المصورة ومركز الإنتاج السينمائي·· كل تلك المؤسسات كانت قائمة على التخصص، ولكن للأسف فإن المنتجين والمخرجين والفنانين الذين كانوا يديرون هذه المؤسسات، سمحوا بظهور تضارب في دور المؤسسات المختلفة، والنتيجة هي أنه عند حل هذه المؤسسات في نهاية التسعينيات، بقي الإنتاج السمعي البصري في الجزائر دون سند لا عمومي ولا خاص، لأنه لم يتم تطويره·


لكن الدولة عاودت تمويل الإنتاج السمعي البصري في السنوات الأخيرة؟

 هذا التمويل ليس منتظما، فهو يتم عن طريق الصناديق الخاصة، في السابق كانت هناك مؤسسة يتم تسييرها، لها ميزانية وعمال وكفاءات، وهناك سياسة للتوظيف والتكوين، وليكن في علمك، فإنه لا يوجد تكوين للسمعي البصري في الجزائر، أقصد تكوين المخرجين وكتّاب السيناريو والمهن العليا في المجال السمعي البصري، فالمشكل الذي يعيشه المجال السمعي البصري ما هو إلا مظهر لأزمة أعمق، فنحن لا نرى إلا جزءا·

 

أين تكمن المشكلة الأكبر في هذا المجال؟ 

المشكلة الكبرى هي غياب استراتيجية في السمعي البصري، فالدولة عندما انسحبت من المجال السمعي البصري، لم تسمح لأي جهة أخرى، ولم تؤهل أي جهة أخرى للقيام بهذا العمل، وهو ما خلق فراغا كبيرا في هذا المجال·

 

لنقارن بين المسموع والسمعي البصري، هناك تجارب ناجحة في الإذاعات المحلية المتعددة، لماذا لم يستفد التلفزيون من نجاح الإذاعة في هذا الجانب؟ 

هذه مسألة توجه استراتيجي، ففي المجال الإذاعي، سمح بوجود محطات جهوية ومحلية تهتم بالأنشطة المحلية الرسمية وغير الرسمية، وبالإنتاج الثقافي المحلي، بالاهتمام مثلا بالموسيقى المحلية لكل منطقة، وسمح هذا للمستمعين بالانتقال من المحطات المركزية والعالمية، إلى الاستماع إلى المحطات المحلية، فكل ما انتقل اهتمام وسائل الإعلام إلى ما هو محلي، اكتسب جمهورا أكبر، أما فيما يخص التلفزيون فهو ينتظر قرارا سياسيا للاستفادة من تلك التجربة الناجحة· 

 

 

26 أبريل، 2009

«حنظلة» يزور الجزائر في ذكرى ميلاده الأربعين


بعد أربعين سنة على «ميلاد» شخصية حنظلة، ذلك الطفل الكاريكاتيري صاحب الملابس الرثة والشعر الشوكي، وبعد أكثر من عشرين سنة على رحيل مبدعه الفنان الفلسطيني ناجي العلي، يقتحم هذا الطفل المشهد الثقافي الجزائري بشكل غير مسبوق في عدد من الأعمال الفنية التي تتنوع بين المسرح والكتاب والألبوم والمعرض الفني.

المسرح الوطني الجزائري الذي يحمل اسم الفنان الراحل محيي الدين باشتارزي، وفي إطار برنامجه «صدى الأقلام»، الذي ينشطه الشاعر عبد الرزاق بوكبة، استضاف الشاعر الشاب سعيد حمودي، الوجه الإعلامي الذي أصدر منذ أكثر من سنة مجموعته الشعرية الأولى «أغرق فيك»، وبالمناسبة قرأ سعيد نصا مسرحيا كتبه منذ فترة، عنوانه «حنظلة». وينتظر أن يصدر النص في كتاب قريبا جدا عن منشورات «دار الحكمة» في الجزائر. كما وعد الفنان محمد بن قطاف «مدير المسرح الوطني» الجزائري أن يقدم النص مسرحيا، وقد تمت برمجته بالفعل وسيبصر النور على الخشبة خلال عام 2009. لا يخفي سعيد حمودي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن أساس فكرة كتابة النص بدأت تتبلور مع إعلان مدينة القدس عاصمة للثقافة العربية للعام 2009، فأراد من موقعه كشاعر تقديم هذا النص، الذي يقترب من السيرة الذاتية لفنان الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي، لكنه لا يتقيد بالسيرة حرفيا، بل يحاول أن يتحاور جماليا مع شخصية «حنظلة»، ذلك الطفل الذي ولد في مخيلة الفنان الراحل قبل أربعين سنة، وما زال طفلا صغيرا لا يكبر، رغم المحن التي مر بها. ثم إن سعيد يقول إنه ليس غريبا عن فن الكاريكاتير الذي نشأت فيه شخصية حنظلة، فقد سبق له وهو الصحافي الشاب عندما كان يشتغل في صحيفة «الخبر» الجزائرية، أن قام بكتابة مقدمة لكتاب فنان الكاريكاتير الجزائري الشهير «أيوب»، والذي اختاره دون غيره من الصحافيين والكتّاب، لأن الفنان المخضرم أراد أن يقدمه شاب من الجيل الجديد، بنظرة غير تقليدية عنه. وبعد تلك التجربة التي يعتز بها، أراد الشاعر سعيد حمودي أن يعيد الكرّة على صعيد آخر مختلف تماما، فكتب هذا النص المسرحي اقترابا من فنان الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي.

ولا تنتهي حكاية «حنظلة» في المشهد الثقافي للموسم الحالي عند هذا الحد، فللحكاية فصل آخر بمسمى «ربيع حنظلة»، وهو عنوان لمعرض فني يتناول بعض لوحات الفنان ناجي العلي، الذي ينطلق مع بداية شهر أبريل (نيسان)، حسبما يؤكد الشاعر أبو بكر زمال رئيس «جمعية البيت»، الذي يضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن جمعيته هي الجهة المنظمة لـ«ربيع حنظلة» بالتعاون مع وزارة الثقافة الجزائرية، وخالد ناجي العلي وهو نجل الفنان الراحل، وقد تكفل بإرسال مائة لوحة فنية إلى الجزائر هي عدد لوحات المعرض الفني. ويضيف زمال قائلا: «إن فكرة المعرض لا تكتمل إلا بالألبوم الذي يصدر بالتزامن معه ويضم كل رسومات الفنان ناجي العلي في الفترة الممتدة بين سنة 1985 وصيف 1987 عندما اغتيل رميا بالرصاص في أحد شوارع لندن، وإن عائدات مبيعات ذلك الألبوم ستوجه إلى قطاع غزة، في شكل مساعدات إنسانية». حنظلة، الذي ولد طفلا بشعر «شوكي» قبل أربعين سنة، وبقي يدير ظهره للمتلقي العربي، حافي القدمين، رث الثياب، لم يمت كما توقع له البعض عند رحيل مبدعه ناجي العلي قبل أكثر من عشرين سنة، وظل يتعدد في أشكال فنية مختلفة، وفي هذا الموسم يحضر بقوة في المشهد الثقافي الجزائري، كما لم يحدث من قبل.

27 مارس، 2009

الحبيب السائح


عاشق في بلاد الأولياء

الخير شوار 

قبل صدور روايته الجديدة "المذنبون"، التي صدرت بالفعل في المدة الأخيرة، بدأ الروائي الحبيب السائح في تجربته سردية جديدة ينتظر أن تقوده إلى مدينة أدرار (1500 كلم جنوب غرب الجزائر) لإتمامها مثلما حدث له في تجاربه الروائية السابقة، فابن سهل غريس الذي نشأ في سعيدة يعيش قصة "عشق" عنيفة مع مدينة سيدي محمد بن لكبير منذ أن اكتشفها في العشرية الماضية.

ليس غريبا أن يغرم ابن سهل غريس (موطن الأمير عبد القادر الجزائري)، بالمدينة التي ارتبطت بالمتصوف سيدي امحمد بن لكبير، فمنذ أن وطأت قدما لحبيب مدينة أدرار سنة 1994، حتى ارتبط معها بقصة حب أحدثت تحولا عميقا في تجربته الكتابية، أنجبت كتابة مختلفة تماما، يمكن أن تقرأ فيها عمق الصحراء وصمتها المخيف، وقسوتها أيضا، تلك التجربة التي بدأت إرهاصاتها مع "ذاك الحنين" التي كتبت بلغة خاصة جدا، ثم برزت أكثر في "تماسخت"، ثم "تلك المحبة" وهو السفر الكبير الذي كان بمثابة قصيدة عشق ملحمية لتلك المدينة التي يقول عنها: "لي مع مدينة أدرار قصة عشق، لا تختلف عن قصة الشيخ بن لكبير معها، فأنا أكن ليس فقط التقدير وإنما الحنين العميق والدائم لتلك المدينة المحبة والحاضنة".

والحبيب السائح المحسوب على جيل السبعينيات الأدبي، وصلت تجربته الأولى مداها مع "زمن النمرود"، وهي الرواية الأولى التي كتبها بعد تجارب متنوعة في القصة القصيرة، لكن فرحته بالرواية الأولى الجريئة والواقعية حد تطابق بعض أحداثها وشخوصها مع اليومي، لم تدم طويلا، وتحولت إلى محنة مع مصادرتها، لأن بعض المسؤولين المحليين وجد صورته فيها سافرة مفضوحة، وقد استعاد تلك التجربة القاسية في أحد حواراته قائلا: "كتبت لما يسمى جماهير وكانت خيبتي فظيعة يوم تنكرت لي تلك الجماهير لأن الآلة السياسية الأحادية، عند صدور رواية 'زمن النمرود' في عام 1985، هيّجتها ضدي فكان عليّ أن أهجر مدينتي مدة قبل أن أعود إليها مكللا بتاج 'الفضيحة'؛ لأن 'زمن النمرود' صارت عورة للغتها الجريئة التي وضعتُها بالعربي الفصيح ثم أنزلتها إلى التركيب الدارج وليس إلى الدارجة".

لكن الحبيب استثمر تلك التجربة القاسية، وحدث تحول يكاد يكون جذريا في طريقة كتابته ونظرته للعملية الإبداعية، وسرعان ما تفردت تجربته في الكتابة، وخرج عن "الإجماع السبيعيني" المناضلاتي، وفي هذا السياق سبق له وأن قال بمنتهى الصراحة: "إن كان هناك من ذنب اقترفته في حق الجيل السبعيني فهو اعتزالي لغته وذوقه حتى قبل وقوع انهيار مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية؛ لأني أدركت أن الكتابة هي الذات؛ أي الفرد في مقابل الجماعة. أنا الآن بعافية الفرد لأني استرددت حواسي الفردية".

وقد تغيّرت لغته بالفعل ليس فقط في مجمل تجاربه الروائية اللاحقة، وإنما من رواية إلى أخرى، وفي حين تكتم بشكل كل على المشروع الروائي الجديد الذي يعكف على كتابته منذ حوالي الشهرين، وسوف يقوده حتما إلى بلد بن لكبير من أجل التفرغ له، وإخراجه بلغة جديدة، فقد تكلم عن "المذنبون" لكن بطريقته الخاصة، فهو يقول عنه إنه يتراوح بين تجربتي "ذاك الحنين" و"تماسخت" لكنه يراه بالمقابل أقرب إلى تماسخت منه إلى ذاك الحنين، التي كتبت بقاموس غير القاموس الذي نعرف.

وعن علاقته بالمتلقي فهو مطمئن من هذا الجانب، ويقول: "لي مشروع كتابة"، ثم يضيف "أنا لا أكتب لأحكي، أنا أكتب لأؤسس لمشروع كتابة، قد أحققه وقد لا أحققه"، لكنه على يقين بأن ما يكتبه سيكون له أثر في الرواية الجزائرية المعاصرة، فما إن ينتهي من تجربة كتابية حتى ينخرط في أخرى جدية كل الجدة، لغة وأسلوبا وموضوعا، ويؤكد: "أنا أنجز في كل مرة نصا جديدا، ليس بمعنى الجدة على مستوى المضمون وإنما على مستوى التشكيل، فكل رواية تختلف عن الأخرى، لذلك أن مقلّ في الكتابة وأنجز نصا في كل أربع سنين تقريبا، وهو الأمر الذي حدث معي مع "المذنبون" التي أخذت مني أربع سنوات كاملة، فحين أباشر الكتابة أعمد قدر المستطاع على إحداث القطيعة مع كتاباتي السابقة ومع كتابات الآخرين".

وبعد بداية مشروع الكتابة الجديد في مدينة سعيدة ينتظر أن يأخذ النص صاحبه مرة أخرى إلى مدينة أدرار التي أنجز فيها كل نصوص قطيعته مع الكتابة السبعينية.. تلك المدينة التي دخلها أول مرة سنة 1994 وأنتج فيها أولا "ذاك الحنين" ثم توالت النصوص "الأدرارية"، فقد وقع في غرامها من الزيارة الأولى وينتظر إن يذهب إليها قريبا لأن «النص الجديد الذي أشتغل عليه يدعوني إلى هناك".

والحبيب السائح الذي يعيش بين سعيدة التي احتضنته صغيرا، وأدرار التي احتضنته كبيرا، أشبه ما يكون بالساعي بين الصفا والمروة، وفي أدرار يجلس كما يجلس المتصوفة هناك، وهو على اعتقاد لا يتزعزع، بأن قارئه، يسكن هناك في جهة المستقبل.


19 مارس، 2009

لويزة حنون:


امرأة بين تروتسكي وشجرة الدر


الخير شوار

قَدَرُ لويزة حنون مع شهر أفريل لا ينتهي،  فهذه المرأة التي تحترف السياسة في مجتمع تكاد تكون السياسة فيه حكرا على الرجال، سيكون لها امتحان يوم التاسع من الشهر المقبل، مثلما كان لها موعد معه يوم الثامن منه قبل خمس سنوات وقبل التاسع والثامن، جاءت إلى الدنيا لتطلق أولى صرخاتها من أعالي منطقة الشقفة بولاية جيجل·

جاءت لويزة إلى الدنيا ستة أشهر قبل اندلاع ثورة الفاتح من نوفمبر ,1954 ولم يكن محيطها في تلك المنطقة التي تحاصرها الجبال من كل جانب، وشهدت أشرس المعارك أثناء الثورة التحريرية، ينتظر أن تلك الطفلة الوليدة ستنافس الرجال وتكون أول امرأة في تاريخ الجزائر تطلب كرسي رئاسة البلاد وتتنافس من أجله، لكن قبل الوصول إلى تلك المرحلة خاضت الطفلة ثم الشابة والمرأة الناضجة لويزة أشرس المعارك وزاحمت معارضي الحكم من الرجال زنازن السجون، وانتظرت لحظة الخامس من أكتوبر 1988 لتبرز إلى الحياة العامة، بعد وقت طويل من ممارسة السياسة في كنف السرية تحت راية ''المنظمة الاشتراكية للعمال'' بمرجعيتها التروتسكية (أقصى اليسار)، وعند لحظة التحول من زمن النضال السري إلى زمن النضال العلني، لم تكن الشابة الثلاثينية لويزة حينها التي لم تنل السجون من عزيمتها تلعب دور المتفرج، بل كانت من الفاعلين في تلك الأحداث حيث ألقت قوات الأمن القبض عليها ثم أخلت سبيلها بعد ثلاثة أيام من ذلك· ومع دستور الثالث والعشرين من فيفري 1989 الذي فتح المجال للتعددية الحزبية، تظهر تلك الشابة النحيلة بتسريحتها البسيطة على شاشة التلفزيون كأول امرأة تتزعم حزبا سياسيا في تاريخ الجزائر المستقلة، وكان ذلك سنة 1990 وكان اسم الحزب حينها ''المنظمة الاشتراكية للعمال''، وكان خطابها السائد حينها قبيل سقوط الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي السابق مليئا بالمصطلحات النضالية اليسارية، مع التركيز على أنها تحارب ''الدكتاتورية'' و''الرجعية'' و''الستالينية''، وكان الشارع حينها تحت سيطرة ''طوفان'' الفيس الذي اكتسح كل شيء، ولم يترك أي شيء لباقي الأحزاب يمينا ويسارا ووسطا، وكان عموم الناس عندما يرون تلك المرأة الثلاثينية ترافع من أجل الاشتراكية والقطاع العام، وكأنها تسير ضد تيار لحظة التاريخ التي كانت تشهد سقوطا دراماتيكيا للشيوعية والقطاع العام والخطاب اليساري عموما، ولا يتصورون أنفسهم يولون أمرهم امرأة مهما كانت عبقريتها· لكن المناضلة الشرسة لويزة التي لم تكن تؤمن بالمستحيل، سرعان ما تحولت إلى نجمة ومحبوبة مناضلي الفيس أنفسهم عندما استغلت المستجدات السياسية المتسارعة وغيّرت تسمية الحزب إلى ''حزب العمال'' وتتخلى عن ''اليسار الضيق'' إلى ''اليسار الأوسع''، بل وكانت خير محامٍ للفيس المحظور التي كانت ظاهرة اجتماعية أكثر منها حزب سياسي، فمع بداية النفق الذي بدأ يدخله هذا الحزب بدخوله في إضراب سياسي وأحداث جوان ,1991 كانت لويزة حنون من أشرس المدافعين عن حق ''الفيس'' في الوجود إلى أن سادت في أوساط الناس مقولة منسوبة للشيخ علي بن حاج مفادها أن لويزة حنون هي ''الرجل الوحيد في المشهد السياسي الجزائري'' حينها، ومهما كانت صحة تلك المقولة من عدمها، فإن لويزة حنون استطاعت التقدم أكثر وتسجيل الكثير من النقاط في مسيرتها السياسية الطويلة، وقد سجلت المزيد من النقاط مع إلغاء المسار الانتخابي ودخول البلد في النفق الدموي لتنضم إلى معسكر ''المصالحة الوطنية'' وما عرف بـ ''جماعة سانت إيجيديو''، وكان ذلك أقصى ما وصلت إليه لويزة في مشاكستها للسلطة، فبداية من سنة 1997 تختار نهج المشاركة من بوابة البرلمان عندما دخلته لأول مرة رفقة ثلاثة من مناضلي حزب العمال، ولم يكن فوزها بتلك المقاعد مجرد حادث عارض، بل تمكنت مع انتخابات 2002 من تشكيل كتلة برلمانية لحزبها، وأصبحت من القوى الأساسية في المشهد السياسي الجزائري، وتزداد شهيتها أكثر مع دخولها حلبة المنافسين على كرسي الرئاسة، ومع ثاني سباق لها في هذا المضمار وإدراكها بحدود اللعبة، فإن عينها على المستقبل وهي أكثر إصرارا على اعتلاء كرسي المرادية في السنين القادمة·


15 مارس، 2009

أفلام سينمائية تكتب تاريخ الثورة الجزائرية




هل ينجح السينمائيون حيث فشل الساسة والمؤرخون؟


يتبلور في الجزائر اتجاه سينمائي، يعيد أحداث ثورة نوفمبر(تشرين الثاني) 1954 بطريقة غير مسبوقة. فلأول مرة يتم تجسيد قادة الثورة، ويأمل بعض المتتبعين أن يستمر هذا الاتجاه ويكون بمثابة «حصان طروادة» من أجل إعادة كتابة تاريخ الثورة الذي ما زال يكتنفه الكثير من نقاط الظل.

وقال المخرج الجزائري سعيد ولد خليفة إنه يحضّر لفيلم سينمائي ضخم يتناول مسيرة المناضل الكبير أحمد زبانة، أحد قادة ثورة نوفمبر (تشرين الثاني) الذي أعدمته قوات الاحتلال الفرنسي يوم 19 يونيو (حزيران) 1956 بالمقصلة بعد حكم أصدرته المحكمة العسكرية. ومن المنتظر أن يشارك في الفيلم نجوم من السينما الجزائرية مثل سيد أحمد أقومي وسيد علي كويرات الذي شارك في بعض أفلام الراحل يوسف شاهين، عن نص لعز الدين ميهوبي الشاعر الذي عرف بنصوص مسرحية شعرية تناولت شخصيات الثورة الجزائرية على غرار أحمد زبانة نفسه ورفيقه العربي بن مهيدي. وحسب ميهوبي، فإن النص كان جاهزا منذ عام 2004، لكن تجسيده سينمائيا تأخر بسبب نقص الدعم المادي. 

ويأتي هذا الفيلم بعد ضجة أحدثها فيلم «أسد الأوراس» الذي أعاد سيرة أحد أبرز قادة الثورة وهو مصطفى بن بولعيد، أخرجه أحمد راشدي تلميذ المخرج اليساري الفرنسي الكبير روني فوتيه، وسبق له أن أنجز أكثر من فيلم تناول جوانب من الثورة الجزائرية بدءا بفيلمه «فجر المعذبين» ثم «الأفيون والعصا» نهاية ستينات القرن العشرين، إلى «الطاحونة» و«كانت الحرب»، إضافة إلى مسلسل «السيلان» (السلك الشائك) الذي يذّكر بالأسلاك الشائكة المكهربة التي كانت تفصل الجزائر عن تونس والمغرب الأقصى من أجل تطويق الثورة. والفيلم جسد لأول مرة شخصيات قيادية للثورة، على غرار مصطفى بن بولعيد وديدوش مراد، خاصة مصالي الحاج الذي كان له موقف سلبي من جبهة التحرير الجزائرية لأسباب كان يراها موضوعية واتهم بالخيانة، وبقي اسمه ممنوعا من التداول الرسمي حتى السنين الأخيرة عندما أعيد له الاعتبار. ومن الانتقادات التي وجهها بعض النقاد لفيلم «أسد الأوراس» نزعته «التعليمية» وافتقاره للجرأة الفنية، لكن مؤلف نصه، الصادق بخوش، قال إنه اعتمد على مئات الكتب التي تناولت تلك الفترة، وأن الفيلم «كان موضوعيا وخاليا من الأحكام، رغم تصويره العديد من مواقف سياسيي الثورة ككريم بلقاسم وبيطاط وبوضياف». والأسماء المذكورة إضافة إلى أسماء أخرى ستعود في فيلم «أحمد زبانة» المنتظر، ولا تزال تثير نقاشا واسعا وصل إلى المحاكم. وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على الثورة، فإنه لا يزال كثيرون يتحدثون عن ضرورة صدور قرار سياسي بكتابة تاريخها، لأن العديد من وثائقها بقيت طي الكتمان. والسينما الجزائرية التي نشأت من رحم الثورة سنة 1957 مع المخرج الفرنسي روني فوتيه عندما التحق بصفوف الثورة الجزائرية، ركزت سنين طويلة على الأحداث، ولم تتناول إلا شخصيات بسيطة مع انتشار فكرة أن «الشعب» هو زعيم الثورة. وكانت وسيلة ذكية للهروب من فخاخ وقائع قد تثير فتنة. وعندما أنجز منتصف الثمانينات فيلم «بوعمامة» ذهب من أنجزه إلى تاريخ سابق للثورة وإلى الانتفاضات الشعبية للقرن التاسع عشر. 

ويأتي التوجه السينمائي الجديد في سياق تاريخي خاص، فقبل فترة قصيرة أثير نقاش داخل البرلمان حول عدد شهداء الثورة. نائب، هو نجل أحد أبرز قادة الثورة، شكك في العدد الشهير (مليون ونصف مليون شهيد)، وأعطى رقما أقل منه بكثير، وبعدها جاء تعديل الدستور ليبعد التاريخ عن الجدل السياسي، ويؤمل أن يكون التوجه السينمائي الجديد بمثابة فرصة لإعادة كتابة تاريخ الثورة الجزائرية بإسقاط الكثير من التابوهات، وهذا ما يذهب إليه الروائي والسيناريست الجزائري عيسى شريط، لـ«الشرق الأوسط»، عندما أكد «أن السينما هي أحسن وسيلة لكتابة التاريخ، وبإمكانها فتح ممرات بلغة تجمع بين الحقيقة التاريخية والمجاز الفني بدون ضجيج» ويضيف: «لكن الكرة في ملعب السياسي الذي بقرار منه قد يدفع الأمور في الاتجاه الذي يخدم الفن والحقيقة التاريخية في الوقت نفسه».