التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوباء


كانت قرية عين المعقال تقضي أيامها المكررة برتابة تامة، يولد الناس، يتزوجون، ينجب بعضهم، ثم يموتون واحدا وراء الآخر، ولم يكن من مصدر للرزق سوى الزراعة والرعي، ولا يكسّر ذلك الروتين سوى بعض الوافدين القليلين جدا، وكان التجار من بين هؤلاء الوافدين القليلين، وحين يأتي تاجر ما يقبل الأطفال بفرح وانطلاق ويهتفون بأهازيج جميلة، بعضهم يحمل بعض ما هو موجود في البيت من جلود أنعام وصوف يقايضونها بالحناء وبعض الحلوى والتين والزيتون، ومن لا يملك الجلد والصوف يقضي حي
نا من الوقت في حسرة وغيرة وحسد
.

الخير شوار
لكن ما حدث في ذلك اليوم، غيّر من مصير القرية وبقيت الأجيال تتناقله، فبينما كان الرعاة يتأهبون للعودة بالقطيع في آخر النهار، لمح أحدهم رجلا بجوار دابة محملة بالبضائع، الرجل الغريب كان في حالة غير طبيعية أثارت دهشة وخوف من رآه بعد ذلك.
- ما الذي جعل الرجل في تلك الحالة؟
تساءل الرعاة والدهشة تملأ القلوب، ثم أسرعوا في العودة إلى القرية ليلقوا على كبارها بتلك الأسئلة المحيّرة بخصوص ذلك الغريب، وما أن سمع الشيوخ بالأمر حتى أرسلوا فورا ببعض الشبان للإتيان بالغريب الذي يبدو عليه المرض، للتكفل به حتى يستعيد عافيته وليرحل بعدها إلى الوجهة التي يريدها.
عندما ذهب الشبان إلى مكان الغريب وجدوه في حال من الغيبوبة وآثار الإسهال تملأ مكانه، ودون انتظار حملوه على ظهر دابة وساقوا دابته المحملة بالبضائع وسارعوا به صوب قرية عين المعقال.
وصلوا بالغريب إلى القرية، وقبل أن يتمكن كبارها من القيام بواجب الضيافة تجاهه لاحظوا أن الحركة غادرت جسدته. تقدم "محمود الطالب" وكان شيخا وقورا من حملة القرآن إلى جسم الغريب يتفحصه، وفورا تأكد من الوفاة فأعلنها فورا، فأصبح من واجب أهل القرية غسل الميت الغريب وتكفينه ثم الصلاة عليه كأحد أبناء القرية، رغم عدم معرفتهم باسمه وموطنه ولغته ودينه، وبالفعل شرعوا في ذلك وهم ينفذون طائعين ما قاله محمود الطالب.
دفن الغريب في مقبرة سيدي الزواوي، وكان عدد المشيعين كبيرا كأن الميت من أعيان القرية، والكل يعتقد بأن حكاية الغريب دفنت معه وانتهى أمره وسيبقى مجرد ذكرى بعيدة يذكرها من كانت له ذاكرة قوية، إلا أن الأمر كان عكس ذلك تماما، فلم يكن أحد يتصور أن الأمر بداية لكارثة ستأتي على القرية في الأجل القريب.
مع غياب الغريب، بقيت دابته والبضائع التي تحملها يثيران مشكلة في القرية:
- ماذا نفعل بتلك التركة.. كيف نتصرف فيها؟
تساءل الجميع في حيرة، وأنظارهم تتجه تلقائيا صوب محمود الطالب، وكان الطالب أكثرهم صمتا، وكأنه يرى في الكلام مسؤولية كبرى، تجعله يتجنب أي خطأ في التقدير قد تنجر عنه نتائج غير حسنة.
بعد صلاة العشاء اجتمع كبار القوم في المسجد في جلسة سمر اعتادوا على مثلها، وكان من المتوقع أن يبت محمود الطالب في أمر تركة الغريب الهالك، وعندما تكلم الشيخ كان حديثه المقتضب بمثابة القرار الذي وجب تنفيذه على الفور.. تباع الدابة بما حملت في السوق، وعائدها المالي سيبقى وقفا في سبيل الله.
محمود الطالب الذي غسل جثة الميت وأشرف على دفنه وبت في مصير تركته، شعر فجأة بتدهور في حالته الصحية، وعندها ذهب إلى أحد العارفين بأسرار التداوي بالأعشاب الطبية، فنصحه بوضع خليط من الحشائش فوق رأسه وبأن يلف ذلك بمحرمة إحدى نسائه مع قراءة المعوذتين.
- ثم تصبح كالحصان.
ختم الطبيب نصيحته وهو يضحك بصوت جهوري، ولم ينتظر الطالب طويلا لينفذ الوصفة بحذافيرها.
في تلك الليلة تأزم حال محمود الطالب أكثر فأكثر، قضى شطرا كبيرا من الليل خارج البيت وهو يعاني من إسهال لم ير مثله في حياته الطويلة، مع حالات من الإغماء من حين إلى آخر، وعندما تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود لم يذهب الطالب إلى المسجد كعادته، وعندما غاب عن ذلك الموعد المقدس في سابقة لم تحدث منذ سنين طويلة؛ شعر أهل القرية بالرعب والخوف من مجهول، وتشاءم البعض بهلاك الرجل في القريب وهو يعاني من تلك الآلام القاتلة.
في صلاة الصبح تقدم أحد حملة القرآن نائبا عن محمود الطالب في إمامة الناس، وعند انتهاء الصلاة ذهب الجميع رأسا إلى بيت الطالب لعيادته والاطمئنان على صحته، وعندما وصلوا وجدوه في غيبوبة عند جدار البيت وآثار الإسهال في المكان، وعندها تذكر الجميع مشهد التاجر الغريب الذي دفنوه قبل أيام وباعوا دابته بما حملت في السوق.
- هي العدوى إذن؟..
قال البعض متسائلا، لكن البعض الآخر أراد أن يهوّن من الأمر، قائلا بأن القضية كلها لا تعدو أن تكون مجرد إسهال عادي وسرعان ما يزول تحت تأثير الأدوية التي تناولها المريض، وسيعود محمود "طالب" القرية إلى سابق نشاطه وإمامته للناس في أوقات الصلاة المختلفة.
لم يستمر ذلك السجال طويلا، والإسهال يتمكن في الأخير من محمود الطالب، الغيبوبة كانت نهايتها مفزعة للجميع.. مات محمود الطالب واستولى الشك على قلوب الناس أكثر من ذي قبل.
تحول بيت محمود الطالب إلى قبلة للناس، صغار القرية وكبارها يقدّمون التعازي، وجثة الميت تم غسلها في بيته، ثم كفنت وحملت على الأكتاف إلى مثواها الأخير، وعند مقبرة سيدي الزواوي قرأ الحافظون ما تيسر من آيات القرآن، ثم تجمعوا في شكل حلقة كبيرة شبه مغلقة يكررون قصيدة البردة للإمام البوصيري.
العيون ممتلئة بالدموع، والقلوب بالحسرة، وأصوات الحافظين ترتفع وتنخفض:
"ما سامني الدهر ضيما واستجرت به
إلا ونلت منه جوارا لم يضم
ولا التمست غنى الدارين من يده
إلا استلمت الندى من غير مستلم
لا تنكر الوحي من رؤياه إن له
قلبا إذا نامت العينان لم ينم
وذاك حين بلوغ من نبوته
فليس ينكر فيه حال محتلم".
أدرك الكبار المجربون من القوم أن الوباء أصاب قرية عين المعقال، لكن الجميع كان يخفي مخاوفه عن الآخرين، وتمنى كل واحد أن تكون مخاوفه في غير محلها، وراح بعضهم في طمأنة البعض الآخر وكل واحد متأكد في أعماقه بأنه واهم، يقول بأن محمود الطالب مات لأن أجله أتى وألا علاقة لموتته بحالة الغريب الذي لا يعرف له أحدهم أصلا ولا حكاية، ذلك الغريب الذي ينام في مقبرتهم وقد دفنوا معه مكرهين سره على الأبد.
وبينما حلقة الذاكرين مستمرة في ترديد البردة، انتشر خبر بسرعة البرق بعث الشلل في مفاصل الناس، فهاهي ضحية أخرى تفقدها القرية، إنها زوجة محمود الطالب التي لطمت خدها عند هلاكه وكادت تمزق جسدها بالسكين جراء ترملها مبكرا وهي اليتيمة منذ سن مبكرة، وقد بقيت في غيبوبة طويلة عند وفاة زوجها، وبقيت النسوة يحطن بها يرثين حظها التعس الذي جرها من نكبة إلى أخرى ويعددن محاسنها ومناقبها، فمنذ عرفنها لم تسمع من فمها إحداهن كلمة فاحشة واحدة، وكانت تتصدق بكل ما تملك وتكسي العراة الحفاة وهي محتاجة.
تحولت غيبوبة أرملة محمود إلى غثيان صاحبه إسهال حاد، وتكررت حالة محمود الطالب معها أمام أعين النساء وعندما بلغت ذلك الحد أدركت النسوة أنها ستلقى مصير زوجها لا محالة.
فارقت المرأة الحياة بعد دخولها ذلك الطور من المعاناة، وبقيت في بيتها النساء اللواتي جئن في الأصل لتعزيتها في زوجها الراحل حديثا، يعددن مناقبها ويتحدثن عن نيتها التي جعلتها ترحل مع زوجها الذي أحبته، في وقت واحد تقريبا، وتمنت الجماعة أن تلتقي الرحلة مع زوجها قريبا في حياة الآخرة، وهن يعتقدن بأن مكانهما مع الخالدين في جنات عدن.
ومع رحيل الزوجين بتلك الطريقة المشابهة لرحيل الغريب، تحول الشك الذي راود الجميع إلى يقين، وحقيقة مرّة وبدأ الوباء الذي حمله الغريب الهالك يكتسح قرية عين المعقال، ولا يعلم غير الله متى سيرحل هذا الوباء اللعين وكم سيأخذ من ضحايا في طريقه.
أصبحت قلوب الناس أكثر خفقانا، وأخذ كل فرد من القرية يفكر ويتكهن.. على من سيأتي الدور في المرحلة القادمة؟. وفي أثناء ذلك قرر كبار القوم أن تتضاعف حلقات تلاوة القرآن وبردة الإمام البوصيري، وطلبوا من عموم الناس أن يطهروا قلوبهم من الضغائن والشوائب لعل الله يرفع غضبه المسلط على القرية قبل حلول الكارثة الكبرى.
بدأ حفاّظ القرية ومتعلموها في الجلوس متطهرين أطول الفترات الممكنة، يتلون القرآن ويرددون بردة الإمام البوصيري التي قيل بأنها تمحي الذنوب وتقي من الشرور وأصبحت القرية مع هذا الحال كخلية النحل من شدة الحركة وكانت الأصوات تتعالى وتسمع من بعيد:
سريت من حرم ليلا إلى حرم
كما سرى البدر في داج من الظلم
وبت ترقى إلى أن نلت منزلة
من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم
وقدمتك جميع الأنبياء بها
والرسل تقديم مخدوم على خدم
وأنت تخرق السبع الطباق بهم
في موكب كنت فيه صاحب العلم
حتى إذا لم تدع شأو لمستبق
من الدنو ولا مرقى لمستنم
كانت الجموع غارقة في الترتيل وترديد البردة وكأنها تعزي نفسها وتحاول استقبال قدرها المحتوم في طمأنينة وخشوع، وتناقل الناس انتقال العدوى إلى الأنعام والبهائم، فقد قيل مثلا أن بقرة الشيخ إبراهيم ماتت جيفة قبل ليلة.
- يا رب.. أمت الأبقار والأنعام وكل الدجاج وأرحم عبادك الصالحين وأطل في أعمار الرجال.
قالت الحاجة الريم، ثم أضافت بأنها كانت تتوقع الأمر وقد تنبأت به قبل بدايته، فقبل شهور نبتت الأسنان اللبنية لابنة محمود الطالب المتوفى في الفك العلوي أولا وهو أمر يدعو إلى التشاؤم وينذر بشر كبير قادم قد يهلك الزرع والضرع، فمن ساعتها أيقنت أن الكارثة آتية لا شك فيها، لكنها لم تبح بتك النبوءة لأحد إلا زوجها الذي سخر من كلامها وأتهمها بالدروشة والتخريف.
وسرعان ما انتشر كلام الريم بين النساء وكلهن مصدقات، وقد عضدته بعضهن بقولها أن علامات شؤم كثيرة انتشرت قبل الوباء، منها ما فعلته إحدى البنات عندما عمدت إلى قص شعرها من جهة الجبهة، وقد نالت جزاءها في الحين ضربا مبرحا من أمها وأخيها الأكبر.
ازداد عدد ضحايا الوباء بدرجة مفزعة، وفي هذا اليوم توفيت العجوز سعدية، لكن البعض ممن أرادوا التخفيف وحمل النفس والناس على الصبر قالوا بأن أمر موتها لا علاقة له بالوباء، فقد بلغت من العمر عتيا وماتت بداء الشيخوخة، لكن ولدها قطع كلام الناس وأكد بأن المتوفاة أصيبت بأعراض الوباء المعروفة وماتت بالطريقة التي هلك بها أولئك الهالكون.
كان مجلس عزاء العجوز صغيرا، فالبعض كان مشغولا بمرضه أصلا، والبعض يتعبد استعدادا للقدر المسطر، والبعض الآخر كان مرابطا في مقبرة سيدي الزواوي يرتل القرآن وبردة الإمام البوصيري وآخرون يقومون بخدمة المقرئين.
قال الشيخ إبراهيم وكان في مجلس عزاء:
لقد تكلم سيدي الزواوي عن هذه المصيبة منذ سنين طويلة، وأخبر بما يحدث فعلا في هذه الأيام.
- أنا أسمع بهذا الأمر لأول مرة في حياتي.. لماذا لم تحدثنا عن المصيبة قبل وقوعها وأنت تعلم بها منذ سنين؟
رد أحد الشبان.
- لقد تكلمت مرارا في الأمر، لكني لم أحض بسامع واحد والناس في صمم عن كلامي.
- المهم.. ماذا قال بالضبط؟
- ذات ليلة وكان في أواخر أيامه، كان جالسا في بيته والناس يحيطون به لسماع بعض الحكم والنصائح، لكنه لم يتكلم كعادته وكأن فكره ينظر إلى الغيب، وفجأة صاح:
"يجي طور ويروح طور
وياتيكم بابور
ياخذكم للقبور
والمحقور
يقعد فيها يدور".
في تلك اللحظات ساد الجلسة صمت قاتل، لقد أيقن الجميع أن القضاء لا راد له، وبقي كل واحد يفسر المقولة حسب فهمه، ولئن اتفقوا على أن الهلاك قادم فقد اختلفوا في تفسير من هو "المحقور" المقصود في تلك المقولة، وبينما الناس مجتمعون في ذلك المكان، بلغ مسامعهم خبر موت طفلة عمرها ثلاث سنوات.
- لا شك أنها ماتت متأثرة بالبوحمرون.
- ما في ذلك شك، لقد كانت تشكو من أعراضه المعروفة، وقد نصحت أباها بأن يلبسوها ثوبا أحمرا وأن تبخر على حمامة مذبوحة.. إنها ابنة عمي الحسين، وهي طفلته الصغرى.
كان الجميع يتهرب من الحقيقة المؤلمة، لقد كذبوا على أنفسهم ولم يكونوا يجرؤون على مناقشة أمر تلك الكذبة.
تواترت أخبار الموت في كل ساعة ولحظة حتى أصبح سماع خبر موت قريب أمرا عاديا، ولا يدعو إلى الفزع، وقلوب الناس كأنها في غيبوبة، وقل ّذهاب الناس إلى بيوت العزاء بشكل ملحوظ، وأصبح كل فرد من القرية يخشى من أن يكون الضحية القادمة في قائمة الهلكى المفتوحة.
عند هذا بدأ الحديث عن قرب الساعة، واسترجعت الأذهان صورة الغريب الذي جاء بالوباء إلى القرية، ومات دون أن يتعرف عليه أحد أو حتى يكلمه أحد، وفجأة أصبح ذلك الغريب أشهر شخص في القرية مع أن لا أحد يعرف اسمه.
- وماذا عن دابته؟
أجمع الكل على غرابة حكايته، وذهبت العقول بعيدا في تأويل ماهيته وسيرته.. قال بعضهم أنه ليس من بني البشر ويحتمل أن يكون من الجن أو أن يكون مخلوقا أرسله الله لمعاقبة عباده المذنبين.
- وماذا لو كان ذلك الغريب نفسه المسيح الدجّال؟
لكن الجواب جاء من المجلس نفسه:
المسيح الدجال ممسوح العين، قبيح المظهر.
- ومن قال أنه ليس أعورا؟، فقد وجداه مريضا ولم ينتبه أحد إلى حالة عينيه، فمن المحتمل أنه كان كذلك لكنه أخفى الأمر لحاجة في نفسه.. لقد تسبب في هلاك قرية بأكملها.
وتطور الحديث ليشمل يوم القيامة وعلاماته الصغرى، وعدد بعضهم العلامات الصغرى التي اتفقت بشأنها الجماعة، وبقي الجميع ينتظر اليوم الذي ستشرق فيه الشمس من المغرب لتكون خاتمة الفاجعة التي ألمت بقرية عين المعقال.
- ولماذا تنتظرون شروقها في الصباح؟، فقد تشرق في أية لحظة حتى بعد الغروب العادي بقليل.
- اليوم هو الثلاثاء من أيام الله.. مازال بعض الوقت، ومن المعروف أن القيامة تقوم في يوم جمعة.
- وماذا عن العلامات الأخرى؟
- خروج الدابة التي تطبع.
- تطبع ماذا؟
- تطبع العباد بطابع خاص.. ألا تعرف هذا يا جاهل؟!
- تلك هي دابة الغريب، لا شك في ذلك، إنه بلا أدنى ريب المهدي المنتظر وتلكم هي دابته.
وتوسع الحديث عن الدابة وتضاربت بشأنها الأقوال، وأصبح الاهتمام منصبّا فجأة على دابة الغريب لأول مرة، تلك التي أمر محمود الطالب أول ضحايا الوباء في القرية ببيعها مقابل مال يكون وقفا في سبيل الله، لكن كيف بيعت تلك الدابة؟، ومن اشتراها؟ وهل هي دابة فعلا مثل بقية الدواب، أم هي مختلفة؟
أجمع الكل على غرابة شكل الدابة تلك، لكن أحدهم لم يكن يهتم بالأمر ساعتها لسبب لا يعلمه إلا الله، فذيلها أقصر بعض الشيء وحتى شكلها عموما غير مألوف.
لقد بيعت تلك الدابة بما فيها في السوق، وكانت طريقة بيعها تبعث على الحيرة فعلا، فما إن دخلوا بها إلى السوق حتى أقبل عليهم رجل بلباس أبيض ويحمل في يده اليمنى سبحة ولا يغادر الذكر لسانه، وقد أحدث مظهره ذاك شعورا غريبا في أعماقهم وأكد كل من كان ساعتها في السوق بأنه لم يسبق له رؤيته قبل ذلك في حياته.
وكأن ذلك الرجل دخل السوق خصيصا من أجل الدابة، وقد أصر على شرائها بما فيها بأي ثمن كان، وعندما اشتراها بثمن مرتفع، أضاف فوق ثمنها كيسا إضافيا من المال قائلا: "أموال الوقف يباركها الله"، مع أن أحدا من أهل القرية لم يخبره بأمر الوقف ذاك، وأخيرا أضاف جملة تدعو إلى الحيرة والتأمل: "أعانكم الله على الأيام القادمة".
أخذ الشيخ الدابة بما عليها وبقي من كان في السوق مسمّرا في مكانه سارحا بخياله، لقد كان الوقت فجرا حينها، تذكر بعضهم كلامه المبهم فأراد أن يستفسره لعله يظفر بجواب، لكنهم لم يجدوه رغم سعيهم في كل الاتجاهات، وشيئا فشيئا خارت قواهم واستسلموا لليأس. لكن الأسئلة بقيت معلقة في قلوبهم على شكل حسرة، وعندها لم يبق لهم سوى العودة إلى القرية بالمال الكثير الذي منحه إياهم الشيخ الشبح، وفي الطريق إلى عين المعقال اتفقوا بعد التشاور على إخفاء الأمر على أهل القرية تجنبا لأي مشكلة يمكن أن تنجر عن ذلك، أو هكذا خيّل لهم.
عند ذلك تذكر الناس محمود الطالب أول ضحايا الوباء الذي كان مرجعهم في كل كبيرة وصغيرة، فلو كان حيا لهبوا إليه مسرعين ليكشفوا له السر ليفك لغز تلك الدابة الغريبة والشيخ الشبح الذي اشتراها بتلك الطريقة الأكثر غرابة، ومع اليأس خطر على بال أحدهم اللجوء إلى الأخضر بن محمود الطالب، رغم حداثة سنه، فقد ورث بعض علم والده، ولا شك أنه يقرأ من الكتب التي ورثها عنه، مالا يعرفه باقي أفراد القرية مجتمعين.
هبوا رأسا إلى بيته، ودون مقدمات سألوه عن الأمر، ودون انتظار ذهب الشيخ الصغير مباشرة إلى صندوق الكتب العتيق، وعندما تصفح الأغلفة وقرأ بصوت مسموع "بدائع الزهور في عجائب الدهور للعالم الفاضل والهمام الكامل الشيخ محمد بن أحمد بن إياس الحنفي.. نفعنا به والمسلمين أجمعين"، أخرج الكتاب من الصندوق وراح يقلب صفحاته بسرعة، وسرعان ما يتوقف في متن الكتاب ويقرأ بصوته الجهوري: "بينما عيسى يطوف بالبيت فتضرب الأرض وتشق ما يلي المسعى، فتخرج من هناك الدابة، فأول ما يخرج منها رأسها وهي ذات ريش زغب كريش الطير ولها جناحان ورأسها يلمس السحاب ورجلاها تحت تخوم الأرض، وقال السدي إن رأسها كرأس الثور وعيناها كعيني الخنزير وأذناها كأذني الفيل ولونها كلون النمر وصدرها كصدر الأسد وقرنها كقرن الإبل وذنبها كذنب الكبش وقوامها كقوام البعير ووجهها كوجه الإنسان ولا يدركها طالب ولا يفوتها هارب ومعها عصى موسى وخاتم سليمان فتختم وجوه الكفار بخاتم سليمان وتحلو أوجه المؤمنين بالموسم الذي في وجوههم وهذا مؤمن وهذا كافر، ثم بعد ذلك تطلع الشمس من مغربها ومن شدة حرها يموت من بقي من الناس من إنس وجان ويغلق باب التوبة عن الناس.
بعد صمت قبوري تكلم أحدهم بصوت فيه حزن وخوف شديدين:
أو تصيب الجن أيضا؟
رد الطالب الصغير: بالطبع، فهذا مكتوب في الكتاب.
- وهل من سبيل إلى التوبة؟
- باب التوبة يوشك أن ينغلق، فتوبوا إلى الله وطهروا قلوبكم من كل دنس، ومن كان في عنقه دين فليرده، ومن اقترف ذنبا في حق أخيه فليطلب منه المغفرة والصفح.
صمت الجميع على مضض، وقلوبهم تكاد تفارق صدورهم، قبل أن يمتد الوباء إلى البقية الباقية من أهل القرية، وبقي الوباء يتقدم ويلتهم المزيد من الأرواح. وبالمقابل استمر حفّارو القبور في عملهم المتواصل واستمر من بقي من "الطلبة" في قراءة البردة، يعودون إلى بدئها فور الانتهاء منها، وكأن قصيدة الإمام البوصيري تلك أضحت دائرية وبدون نهاية:
"الحمد لله منشي الخلق من العدم
ثم الصلاة على المختار في القدم
أمن تذكر جيران بذي سلم
مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة
وأومض البرق من الظلماء من أضم".
وفي حالة اليأس والقنوط التي عمت القرية، تزايد عدد ضحايا الوباء بشكل يدعو إلى الموت رعبا قبل الإصابة به فعلا، والأنعام التي أهملها أهلها بدأت تلقى مصير الناس الهالكين، والقرية في حداد متواصل مع تناقص عدد ساكنيها بشكل مستمر، وبينما القرية مستسلمة للمصير المحتوم وهي تعد ضحايا الوباء الذين يموتون بطريقة تكاد تكون واحدة، مع الأعراض نفسها والآلام نفسها، وجد بعضهم ذات صباح جثة أحد الأشخاص ممزقة، وعليها أثر اعتداء كبير، فمن هو الضحية يا ترى؟..
- هو إبراهيم.
لقد كان أمر الموت عاديا، لكن ميتة إبراهيم كانت مختلفة تماما إلى درجة تدعو إلى السؤال: من قتله يا ترى بهذه الطريقة البشعة؟
إبراهيم كما عرفه أهل القرية من أكثر الناس طيبة وجنوحا إلى السلم، يكاد لا يخاصم أحدا إلا إذا اضطر إلى ذلك اضطرارا، فهل راح ضحية دفاع عن الشرف؟، أم أن غريبا تسلل ليلا في غفلة من عيون القرية ونفّذ تلك الجريمة البشعة لأمر لا يعلمه إلا الله؟
ظلت الأسئلة تتهاطل على الرؤوس المنهكة، والكل ينتظر من سيأتي بالقول الفصل ويفك خيوط ذلك اللغز المحيّر، وسرعان ما جاء الرد من أقرب أقربائه.
كانت زوجته الشابة تندب حظها وتلطم خدها، وتؤكد للجميع بكلام يتخلله بكاء، وقد اقتحمت مجلس الرجال على غير عادة نساء القرية:
لقد راح ضحية الفال.
وفي وقت كان يتوقع فيه السامعون حلا لذلك اللغز، زاد كلام الأرملة في حيرتهم، فما الذي تقصده بكلمة فال؟
لم تنتظر المرأة سؤال أحدهم، لتواصل حديثها المتقطع، قائلة: "كان رحمه الله قلقا للغاية على مصير أهل القرية، يبيت الليل باكيا على الذين رحلوا، مرعوبا من المصير الذي ينتظر البقية، ظل يفكر ويفكر إلى أن اقتنع بطريقة الفال يستعملها حتى ينكشف له مستقبل القرية ومآلها، وكيف ستنتهي هذه المحنة التي قد تأتي على الجميع.. لقد كنت في السابق أخفي من كل فاكهة شيئا من أولى ثمارها نضجا، وكنت احتفظ بذلك لنفسي، وذات يوم سألني السؤال المحير:
أين تخبئين تلك الأشياء؟
عندما استفهمت عن مغزى سؤاله أكد لي بأن الأمر مجرد فضول.
تصمت قليلا متأثرة بالبكاء ثم تضيف:
لقد أخطأت عندما أخبرته عن المكان الذي كنت أخفي فيه تلك الصرّة، لقد أثّرت عليه المحنة بشكل كبير إلى درجة أنه كان يبكي مثل النساء، وأحيانا كان يقضي الليل دون أن يغمض له جفن، يقرأ ما يحفظ من القرآن وكأن التعب لا يتسلل إلى مفاصله مطلقا.
قبيل الليلة الملعونة استحم الرجل وأكثر من الصلاة بشكل ملفت للانتباه، وحينما كلمته رفض الرد عليّ وكأنه لم يسمعني، فقد كان منتصبا كالصنم الذي لا يسمع ولا يرى ولا يتحرك، وساعتها لم أهتم بالأمر كثيرا وكنت لا مبالية مع المحن المتوالية التي أصابت القرية وأهلها، لكني لم أكن أعلم بأني سأفقده بعد قليل وإلى الأبد.
ليلتها بكى على مصير القرية الأسود، كالمرأة الثكلى، وكان يتكلم كثيرا في أمور متنوعة، ثم أوصاني خيرا بنفسي وبأولادي وهدّأ من روعي، كنت قمة في الإرهاق إلى درجة الانهيار وقد نمت بسرعة تحت تأثير التعب وحديثه المتشعب.
وأنا نائمة نهضت مفزوعة على وقع صرخة مدوية زلزلت لها الأرض من تحتي، وهرعت أهرول باحثة عن زوجي لكي يفسر لي ذلك الأمر، لكني لم أجده في مكانه ولا قريبا منه.. أخذت أجري في كل الاتجاهات والشلل يكبل مفاصلي، وبعد سقوط ونهوض وهلع كبير تلمست الجثة عند مجرى المياه القذرة وحولها بقايا نار مشتعلة، ومن شدة الصدمة كنت مثل البلهاء التي غاب عنها الحزن والخوف وحتى الكلام، وقد قضيت الليلة كما لو كنت فاقدة للوعي لا أعرف ماذا أفعل، وسرعان ما استعدت بعض الوعي وعد بصعوبة إلى البيت لأخبر الأهل بالأمر، لكني سرعان ما شعرت بالانهيار التام ولم أستفق إلا في هذا الوقت وقد جئت بسرعة إلى المكان المشؤوم فور استعادتي تفاصيل ما حدث الليلة الماضية.
وبعد صمت حيّر الجميع ختمت لأرملة قائلة: "لقد دفعت الحيرة بالمسكين إلى المجازفة، فلم يجد من وسيلة يطمئن بها خاطره سوى طريقة "الفال" التي أودت بحياته".
وهنا سأل أحد الحضور:
وهل سمعت.. هل سمعت شيئا من الأصوات؟
بدت الأرملة مرتبكة، لا تقوى على الكلام، وقد غلبتها الدموع فسقطت أرضا، وبعد كثير من الجلد والمقاومة بدأت تعصر ذاكرتها لعلها تستعيد شيئا، لكنها حين تكلمت قالت كلاما غريبا.. لقد بدأت تهذي:
الخيول تصهل وسط عاصفة هوجاء.. اجتاحت الرياح المكان.. سقطت الرؤوس أرضا.. تطايرت أشلاء الرجال..
كان زوجي وسط العاصفة.. النار تأججت.. أحرقت كل الأشياء.. بقايا الفال ذهبت مع الريح.. صاح زوجي: ما المصير؟.. اختنقت الأنفاس.. سرقت بيادر التبن في وضح النهار.. الدجاجات تنقر عيني.. أين البيضة التي سرقتها الخالة قرمية؟.. البيضة بجمل يوم القيامة.. ابعدوا عني هؤلاء الغرباء.. يا للعار.. شيخ يتصابى.. أنا لست ساحرة.. والله لا أعرف سرا شيئا عن سر الأشياء.. النية وحدها تخلصني في النهاية أيتها الساحرات..
ما هذه الرائحة الكريهة التي تملأ المكان؟.. الذباب الأزرق تفرعن.. أصبح الرأس منتفخا.. الذباب صار بحجم إنسان.. مخلوقات غريبة تأكل الناس رجالا ونساء.. نساء الحي ذهبن مع الريح.. السنابل اختفت من البيدر.. زوجة خالي حاقدة.. قاتلة.. وضعت السم لخالي في اللبن.. شرب القطران مع كسرة الخبز.. أين ثيابي؟.. هل أنا عارية؟.. زوجي أخذته العاصفة.. النار أكلت كل شيء.. الناس اختفوا نهائيا عن الأرض.. أنا وحيدة.. أين سأذهب؟.. رحمتك يا ربي.. قلبي نقي.. لست من المصلين.. لا أعرف طقوس.. لا أعرف الصلاة.. لم أجد من يعلمني إياها.. خجلت من زوجي.. ادفنوني بعيدا عن هذه القاذورات.. الجثث تعفنت.. لم أعد احتمل هذا الخراب.. احملوني بعيدا.. أنا ولية ومسكينة..
عند ذلك الحد بدأ لسان المرأة يثقل ويثقل إلى أن أصبح كلامها غير مسموع بالمرة، ثم هدأت شفتاها وغابت الحركة نهائيا عن جسدها بالكامل.. ساد صمت الأموات المجلس وفقد كل واحد القدرة على الحديث أو حتى البكاء، واعتقد الجميع جازمين أن الهلاك هو مآل أهل القرية المحتوم، وبعد صمت طويل عاد الكلام همسا:
ما قاتلته المرأة ليس هذيانا.
- لقد نطقت الملائكة على لسانها.
- بل إن ما تفوهت به هو ما جاء في الفال الذي سمعته في تلك الليلة المشهودة.
عندما تأكدت الجماعة من موت الأرملة، أمر الرجال عجوزا بأن تغسلها استعدادا لدفنها مع الجثث الجاهزة للدفن، حملوها إلى المقبرة وكان الموكب محدودا للغاية، فكل الناس تقريبا كانوا مشغولين بهمومهم الخاصة ومتخوفين من أن يكونوا ضمن ضحايا الوباء المقبلين، فالضحايا في تزايد مخيف وأخبار الموت أصبحت لا تثير أحدا من كثرتها.
عندما وصل الموت إلى المقبرة، وجدوا المقرئين في حلقتهم التي أصبحت دائمة يرددون آيات القرآن وبردة الإمام البوصيري:
"أطعت غي الصبا في الحالتين وما
حصلت إلا على الآثام والندم
فيا خسارة نفسي في تجارتها
لم تشتر الدين بالدنيا ولم تسم
ومن بغضي آجلا منه بعاجله
بين له الغبن في بيع وفي سلم".
وبقي المقرئون يرددون بردة الإمام البوصيري ويختمون القرآن بالتناوب ودون انقطاع في محاولة بدأت تظهر يائسة لطرد الشبح الذي يهدد قرية عين المعقال بالهلاك النهائي، لكن الوباء ظل ينتشر وينتقل من جسد منهك إلى آخر، ولم يسلم منه المقرئون وقد أصبح عددهم في تقلص مريع، وما إن يقضي على أحدهم حتى تحمل جثته من المقبرة إلى البيت لتغسل وتعاد من جديد إلى المقبرة لتوارى التراب، وبات الانقراض يهدد المقرئين وقد تقلص قطر الحلقة شيئا فشيئا.
عم الوباء كل محيط القرية، وباتت الجثث مرمية في كل مكان، وبدأ آخر الأحياء يدفنون موتاهم دون غسل جثثهم ولا حتى تكفينها والصلاة عليها مثلما تقتضيه تعاليم الدين، وجثث الموتى أصبحت تحمل بالجملة فوق عربات خشبية يجرها حمار منهك قد يسقط في أية لحظة ميتا، وقد تخلى حفارو القبور عن مهمتهم واستسلموا لليأس والانزواء في أماكن مختلفة منتظرين الهلاك المحتوم، بعد أن فرقت العدوى شملهم، لكن البعض تطوع ليحفر خندقا كبيرا ترمى فيه الجثث بالجملة.
انتشرت رائحة الموتى في كل مكان، ولم يعد أحد من الباقين يهتم بمصير الآخرين، والكل ينتظر دوره والدهشة تملأ قلبه، لم يعد البكاء يجدي نفعا، وقد بردت قلوب الجميع، بعد تيقنهم بأن مصير أهل قرية عين المعقال هو الانقراض الأكيد.
هدأت القراءة ثم غابت تماما عن المقبرة وحفظة القرآن والبردة بدؤوا في الانقراض، وعند ذلك الحد أمر كبير المقرئين المتبقين على قيد الحياة، بأن يعود كل واحد إلى بيته ويغتسل غسل الموتى، وأفتى بأن يصلي كل واحد منهم على نفسه صلاة الجنازة، وقبل الافتراق أقيمت صلاة جماعية على أرواح الموتى السابقين واللاحقين، ليستقبل كل واحد مصيره المحتوم في طمأنينة تامة.
في تلك الساعة مات ما تبقى من أمل في نفوس المؤمنين.
- أين بركة سيدي الزواوي؟.. ولماذا يتخلى عن قريته بهذه السهولة؟
تساءل الناس. بكى الجميع بكاء الثكالى، وقد اقتنع كل منهم أن الجرم الذي ارتكبه أهل قريتهم من النوع الذي لا يغتفر، وتستحق القرية جراءه الهلاك الشامل، وسرعان ما طبّق من سمع من الناس وصية الشيخ، فاغتسلوا ولبسوا أجمل ملابسهم، وبكوا بمرارة، وصلى الجميع على الجميع وافترقوا على قناعة أن ذلك هو الفراق الأخير، ثم جلس كل واحد ممن تبقى على قيد الحياة عند بيته مع من تبقى من عياله وقد شل الذهول حركته وانتظر النهاية بقلب يكاد يفارق الجسد قبل أن يقضي عليه الوباء.
فصل من رواية "حروف الضباب"










تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لعنة كريستوف كلومب التي أصابت أجيال الجزائريين: كشف الغمّة في تاريخ الشمّة

لم يكن الرحالة المستكشف كريستوف كلومب، وهو يبحث عن طريق غربية نحو الهند، أن اسمه سيرتبط إلى الأبد بأمريكا (العالم الجديد)، وبالتبغ وبـ ''الشمة'' أيضا التي غزت الجزائر منذ قرون، ومازالت تسيطر على عقول الناس عندنا، مثلما سيطر ''القات'' ويسيطر على عقول اليمنيين · عندما اكتشف الرحالة الإسباني من أصل إيطالي كريسوف كلومب القارة الأمريكية، اكتشف معها مادة التبغ التي كان يُعتقد بأنها دواء شافي لبعض الأمراض، ومع بدايات القرن السادس عشر الميلادي بدأت تنتشر عادة استهلاك هذه المادة في شكل سجائر انطلاقا من إسبانيا والبرتغال قبل أن تكتسح السيجارة العالم وتعود من جديد إلى بلد الهنود الحمر في شكلها الجديد· وغير بعيد عن إسبانيا انتشرت في الضفة الجنوبية للمتوسط عادة من نوع آخر·· التبغ لا يحرق في سجل سجائر وإنما تعاد معالجته إضافة إلى مواد أخرى ليوضع في الفم ويسمى ''الشمة''، أو يسحق تماما ليشم على طريقة الكوكايين والهيروين ويسمى في هذه الحالة ''النفة''، ولئن كانت النفة محصورة إلى حد ما لدى فئة محدودة من الناس، فإن شقيقتها الشمة كثير

زوكربيرغ و"الربعة دورو أنتاع الكبش"

الخير شوار لا يملّ الكثير من الجزائريين من مرتادي شبكات التواصل الاجتماعي من إعادة نسخ صورهم القديمة التي تعود إلى زمن الأبيض والأسود وإعادة نشرها من جديد، مثلما "يبدعون" في نشر كل ما له علاقة بطفولتهم أو ماضيهم البعيد نسبيا، من علب حليب "لحظة"، وعلب السجائر مثل "الأفراز" و"الصافي" و"النسيم"، وعلبة "الهقار" التي تمثل جماعة من التوارق جالسين وأحدهم واقف، التي تذكّر بنكتة مفادها أن أحدهم قال إنه لن يقلع عن التدخين حتى يجلس ذلك "التارقي الواقف"، حتى الأوراق والقطع النقدية على غرار ورقة الخمس دنانير "أنتاع الثعلب" وورقة العشر دنانير الكبير، أو حتى ورقة الخمسمائة دينار التي سُحبت بشكل مفاجئ من التداول سنة 1982 وكشفت حينها عن متسولين وفقراء يمتلكون الأكياس منها. ولا يتردد البعض في نشر روابط من اليوتيوب تمثل مسلسلات ذلك الوقت مثل "ستارسكي وأتش" والمسلسل الموسيقي الأمريكي "فايم" وغيرها كثير. أشكال كثيرة منشورة تملأ الفيسبوك، ربما لا تعرفها الأجيال الجديدة التي تعتمد لغة "العربيز

الباحث فوزي سعد الله: الفنانون اليهود غنوا التراث الجزائري الذي كان تراثهم بحكم انتمائهم للجزائر

يرى الباحث فوزي سعد صاحب كتاب ''يهود الجزائر•• مجالس الغناء والطرب'' الصادر حديثا عن منشورات ''قرطبة'' بالجزائر، أن علاقة يهود الجزائر بالغناء المحلي الجزائري، لم تكن طابو، لكنها تحولت إلى ذلك بفعل أسباب تاريخية معقدة، ويرى أن عودة بعض الفنانين اليهود إلى الغناء بعد انقطاع طويل يعود إلى أسباب كثيرة لا تخلو من التجارة، بعد أن أصبح هذا النوع من الغناء موضة في أوروبا، ويؤكد أن ارتباطهم بهذا النوع من الغناء وجداني ولا علاقة له بالسياسة: منتجين وإن نبغ بعضهم حاوره: الخير شوار وأنت الباحث في علاقة يهود الجزائر بـ ''مجالس الطرب'' المحلي، لماذا تحوّل هذا الموضوع إلى طابو؟ هل هي جناية السياسة على الفن؟ علاقة اليهود بمجالس الطرب الجزائرية لم تولد طابو كما تقول، بل تحولت إلى طابو لأسباب تاريخية • اليهود والمسلمون كانوا يغنون مع بعض في نفس المجالس، في نفس الأجواق الموسيقية، في نفس المدارس والجمعيات الموسيقية على غرار ''المطربية'' و''الأندلسية'' و''الجزائرية - الموصلية''، وحتى في جوق الإذاعة