التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروائي حميد عبد القادر: تحيزت لقيم البرجوازية التي أظهرها أدب السبعينات كأنها «الشر المطلق»

في رواياته الثلاث الصادر لحد الآن (الانزلاق، مرايا الخوف، توابل المدينة) لا يتوقف حميد عبد القادر عند المسائل الجمالية، بل يتعداها إلى كثير من القضايا الشائكة التي تحيلنا إلى تاريخنا المعاصر بكل تعقيداته. وانطلاقا من روايته الأخيرة (توابل المدينة) الصادرة حديثا عن دار الحكمة نقترب من عالم حميد عبد القادر الروائي:
حاوره: الخير شوار


يكاد بطل رواية «توابل المدينة» يحمل اسمك وتكاد سيرة عائلته تطابق سيرة عائلتك.. أين تنتهي السيرة وأين يبدأ المتخيّل؟
حميد عبد القادر 
فعلا، يوجد تماهي كبير بيني وبين محفوظ عبد القادر المغراوي، لكن فقط على مستوى الأفكار. أما على مستوى التجربة، فكل الأحداث متخيلة. سبق لي وأنا وضعت تجربتي الشخصية في قلب روايتين هما «الانزلاق»، و»مرايا الخوف»، لكن هذه المرة، فضلت كتابة رواية متخيلة. وأريد أن أوضح أنه يوجد في روايتي شخصيات وليس أبطالا، فأنا لا أحمل همًا أيديولوجيًا، حتى أقول إنني أقحمت أبطالا. كما لا تقوم الرواية على الصوت المفرد، ولا على (البطل) الواحد. وتعتمد على سردين متوازيين منذ البداية، فكل من محفوظ عبد القادر المغراوي، وبرهوم بوسلمان يرويان أحداثا وقعت لهما في مدينة متخلية، لا تحمل أي اسم، فهي مدينة فقط. ثم يظهر في الأخير مستوى سردي ثالث يقوم على التعرية، والمكاشفة من خلال تقديم محفوظ عبد القادر نفسه ككاتب الرواية، ليختفي برهوم بوسلمان القاتل، ويترك المجال أمام سارد واحد يمسك بزمام الأمور، ويروي تفاصيل ما بعد حادثة مقتل السيدة جنات. أعتقد أن مهمة الروائي تتمثل في الانتصار للكتابة وللقيم الإنسانية. وحسب اعتقادي فإن محفوظ عبد القادر المغراوي « الكاتب انتقم لمقتل السيدة جنات، وشوه صورة برهوم بوسلمان بفضل قدرته على الكتابة، وقراءة ظروف الجريمة من الزاوية التي يريدها انطلاقا من قدرته على الكتابة. الكتابة في النهاية هي السلطة الوحيدة القادرة على تغيير مجرى التاريخ، وليس العنف الذي يجسده برهوم بوسلمان. ماتت السيدة جنات، لكن محفوظ عبد القادر، ظل يبحث عن اليوتوبيا التي عثر عليها في حي «كوسموبوليتي» يسمى «لافابيس»، يقع في مدريد باسبانيا. أعتقد أن رواية «توابل المدينة»، في النهاية هي عبارة عن لحظة البحث عن هذه اليوتوبيا التي تجعل الإنسان سعيدا، بالتالي فهي تطرح السؤال التالي: كيف يكون الإنسان سعيدا؟

هل الرواية حنينا لمدينة (الجزائر) من زمن آخر أم رثاء لها؟
الرواية لا ترثي المدينة فقط، بل ترثي لحال البرجوازية الجزائرية التي عرفت مصيرا مخيفا بعد استقلال البلد. فقد اتهمت بالخيانة، من قبل نظام الحزب الواحد، الذي احتكر الوطنية، واعتنق الأيديولوجية الاشتراكية، ودافع عن الانتماء العروبي، رغم أنها شاركت في حرب التحرير، وقدمت لنفسها نقدا ذاتيا مكنها من التخلي عن أوهام الاندماج في المنظومة الاستعمارية التي راودتها خلال مطلع القرن العشرين. لقد ألفتُ سلسلة من الكتب التاريخية قبل كتابة رواية «توابل المدينة»، حول شخصيات تاريخية ليبرالية، ومثقفة أمثال فرحات عباس، وعبان رمضان، والدكتور لمين دباغين، مكنتني من فهم مسار الحركة الوطنية الجزائرية، وهو ما استثمرته إبداعيا في هذه الرواية. أدركت أن مصير الشخصيات البرجوازية والمثقفة في الجزائر كان مصيرا مأسويا يسهل نقله إلى عالم الروائية لاحتوائه على عنصر المأساة والإخفاق. كان الخطاب السياسي عقب الاستقلال خطابا معاديا للنخب، وللمثقفين، وبالأخص خلال مرحلة حكم الرئيس أحمد بن بلة. وهذه الفترة بالذات هي المرحلة التي تدور فيها أحداث الرواية، مع تسجيل عدوة مستمرة لمرحلة ما قبل الثورة، التي أراد التاريخ الرسمي طمسها، بسبب ما تمثله من نضال ثقافي وفكري ضد الاستعمار، حتى تظهر العنف الثوري، كاللحظة الوحيدة المؤسسة للوطنية الجزائرية.   

كأن السارد كان متحيّزا وغير منصف، فمع أن الرواية بنيت على «حوارية» بين شخصين مختلفين إلا أنه حمّل الثاني (برهوم) كل أسباب المصائب في حين صوّر الأول (محفوظ) تصويرا يقترب من المثالية، هل جاء الأمر عفويا؟
وهل يوجد سارد غير متحيز؟ الكاتب يحمل قيما جمالية وفلسفية وهو يكتب، وهذه القيم هي التي يدافع عليها. أعتقد أن الروائي لا يكتب الرواية لكي يتخذ مواقف حيادية، بالتالي، فهو لا يتحلى بالموضوعية وهو يكتب. يكتب الروائي لأنه يحمل في أعماقه أوجاعا تجعله يتخذ مواقف، يكتب تحت تأثير الشعور والعواطف، وليس تحت تأثير العقل. بالتالي هل يوجد روائي منصف؟ أجيبك بسرعة، وأقول... لا يوجد روائي منصف، الروائي كائن ذاتي، وهو يختلف عن المؤرخ الذي تسيره سلطة العلم. شخصيا أنتقل كثيرا بين الكتابة التاريخية والكتابة الإبداعية، وأعرف أن الأدب هو لحظة شعورية، وعليه أعتبر روايتي كمحاولة لإبراز مأساة البرجوازية الجزائرية، التي وجدت نفسها عند الهامش بسبب سياسات اشتراكية عروبية غير واقعية، مفروضة استنادا لحقائق غير تاريخية. وتقدم محاكمة لبرهوم بوسلمان، وهو رمز البداوة التي أرادت أن تتحكم في زمام الأمور، وتصبح القوة المحركة في المجتمع، على حساب البرجوازية والمثقفين. نعرف جيدا أن حرب التحرير الجزائرية عرفت هذا الصراع بين القادة المنحدرين من المدن، والذين انحدروا من الأرياف لتزعم الثورة. وكان أنصار التيار الثاني (المنحدر من الريف) يتهمون التيار الأول بعدم القدرة على اكتساب الوعي الثوري، ويتهمه بالخيانة لأنه سار في وقت سابق وراء أوهام الاندماج في المنظومة الاستعمارية. وكل المشاكل التي برزت عقب مؤتمر الصومام كانت بسبب هذا الصراع. فتح مؤتمر الصومام أبواب الثورة أمام جميع التيارات السياسية، بما في ذلك البرجوازية، لكن بعض القادة المنحدرين من أصول ريفية رفضوا هذا الخيار، واعتبروه انحراف عن بيان أول نوفمبر. لكن بعد التراجع عن قرارات مؤتمر الصومام، استحوذ القادة المناصرين لثورة تتكون قيادتها من العناصر الريفية التي لا تثق سوى في سكان الأرياف باعتبارها حسبهم الفئة الوحيدة القادرة على اكتساب الوعي الثوري، اتضح أن مصير البرجوازية والمثقفين سيكون مأسويا، واتضح أنه لن يلعبوا في صيرورة الثورة سوى دورا ثانويا. وهذا ما تقوله الرواية في بعض من فصولها، وهي تحاول فهم مأساة البرجوازية بالعودة إلى التاريخ. وبالفعل فقد انتصرت لقيم إنسانية تمثلها البرجوازية، التي كانت تظهر في أعمال الروائيين الجزائريين في السبعينات كأنها «الشر المطلق»، مثلما هو الحال في رواية «الزلزال» للطاهر وطار، وحتى في أعمال رشيد بوجدرة. انتصرت للقيم  الإنسانية وليس للأيديولوجية، وجاءت الرواية كمرافعة من أجل إعادة الاعتبار لقيم التسامح، والفن، انطلاقا من اعتقادي بأن البرجوازية هي الفئة الأكثر قدرة على حمل مشروع تكون فيه الثقافة ركيزة أساسية.

مثلما انتصرت (من خلال السارد) لأحد الراويين، «حاكمت» الخيار الاشتراكي الذي ساد في البلاد بعيد الاستقلال.. ألا ترى أنها مرحلة كانت ضرورية في سياقها التاريخي.. فكيف تُخرج إقطاعيا لتنصب إقطاعيا مكانه؟
حاكمت الخيار الاشتراكي الذي تسبب في تفكيك فئة اجتماعية كانت قادرة على المشاركة في مجهود البناء الوطني. أنا لا أقول إن الاشتراكية كانت خيارا خاطئا، لأنها اقترنت بالديكتاتورية، وبغياب الحرية. وبالرغم من أنني استفادت شخصيا من المرحلة الاشتراكية بسبب ديمقراطية التعليم، لكن ليس بإمكاني اليوم القول إنها كانت ضرورية وفق تلك الطريقة التي طبها بن بلة وهواري بومدين. كانت ضرورة وايجابية من زاوية العدالة الاجتماعية، لكنها سلبية من زاوية انتشار القمع وانعدام الحريات. ثم إنني انتصرت في الرواية للتمدن على حساب البداوة، انتصرت للكتابة، ووضعت خيار العنف في مأزق، هو مأزق برهوم بوسلمان الذي يجد نفسه محاطا بأشباح الماضي والجريمة التي اقترفها. كانت الجزائر العاصمة التي أعرفها جيدا، بحكم المولد والنشأة، بعد الاستقلال مدينة كوسموبوليتية، فيها خليط من الأجناس والثقافات، لكنها تحولت في بضعة سنوات إلى مدينة باهتة ثقافيا، وهذا ما تحاول الرواية أن تقوله، فمقتل السيدة «جنات» كحادثة تنطلق منها الرواية، تحيل إلى اغتيال الثقافة والقضاء على البرجوازية، وما صاحب ذلك من مظاهر الفوضى التي نعرفها حاليا في مدننا.

مع أن الرواية «من نسج الخيال» كما نوّهت في بدايتها إلا أنها مليئة بالشخصيات التاريخية المعروفة.. ما هي حكايتك مع التاريخ؟


يصعب علي الابتعاد عن التاريخ، أنا روائي مهووس بالماضي، واعتقد أنه بدون العودة إلى أحداث ماضية لا يمكن فهم الواقع المعاش. التاريخ هو الزمن البهي، ليس التاريخ مأساة مطلقة، كما يحاول التاريخ الرسمي أن يوهمنا به. وهو لا يتوقف عند تاريخ اندلاع الثورة. هذا التاريخ الرسمي يجعلنا نتوهم أن الحياة كانت قاسية وصعبة بالنسبة لكل الشعب الجزائري، والحقيقة هي غير ذلك تماما. صحيح أن الاستعمار كان عبارة عن نظام ظالم ومأسوي، قام على العنصرية وعلى القمع، لكن في نفس الوقت كان يوجد لحظات بهية أخرى في هذا الماضي، غير لحظة الثورة، وأقصد هنا لحظات تكوين فكر المقاومة ضد الاستعمار خلال مطلع القرن العشرين، كانت النخب المثقفة والبرجوازية قد سلكت طرقا مختلفة للتخلص من الاستعمار، غير طريقة العنف الثوري (الذي أؤمن به إيمانا مطلقا، وأقول أنه كان بمثابة الحل النهائي للتخلص من الهيمنة الاستعمارية) وتمثلت في النضال السياسي، والفكري، عبر الممارسة الحزبية والكتابة الصحفية وإنشاء الجمعيات الثقافية وغيرها من طرق النضال الثقافي. أريد أن أقول إن قراءة التجربة الديمقراطية، بالموازاة مع قراءة تجربة العنف الثوري، كلاهما تفيد الجزائريين وتنفعهما في الوقت الحاضر. فالتركيز على العنف الثوري لوحده، اعتقد أنه لا يفيدنا في شيء. ومن بين أسباب تهميش البرجوازية في الجزائرية، كما تريد الرواية قوله، أنها كانت تمثل تجربة حياة ونضال مغايرتين، تختلفان تماما عن تجربة وخيار السلطة بعد الاستقلال. لقد وجد محفوظ عبد القادر المغراوي نفسه، بعد مقتل السيدة جنات، وهو يعيش في عالم خال من اللمسات الفنية، فالسيدة جنات هي التي جعلته يكتشف عوالم موزار (حتى أن العنوان الأول للرواية كان «الحياة من غير دون جيوفاني»، في إشارة إلى ولع السيدة جنات بأوبيرا دون جيوفاني لموزار، ليصبح في الأخير «توابل المدينة») ويتذوق الموسيقى الكلاسيكية، التي منحته القدرة على تجاوز لحظات مأسوية من جراء تعرض والده للمتابعة من قبل البوليس السياسي خلال السنوات الأولى من الاستقلال، رغم أنه كان ثوريا وشارك في الحرب ضد الاستعمار. وفي المحصلة أقول أنني حاكمت الجانب القمعي في الإشتراكية، وليس جانبها المتعلق بالعدالة الإجتماعية التي ننشدها جميعا.
توابل المدينة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لعنة كريستوف كلومب التي أصابت أجيال الجزائريين: كشف الغمّة في تاريخ الشمّة

لم يكن الرحالة المستكشف كريستوف كلومب، وهو يبحث عن طريق غربية نحو الهند، أن اسمه سيرتبط إلى الأبد بأمريكا (العالم الجديد)، وبالتبغ وبـ ''الشمة'' أيضا التي غزت الجزائر منذ قرون، ومازالت تسيطر على عقول الناس عندنا، مثلما سيطر ''القات'' ويسيطر على عقول اليمنيين · عندما اكتشف الرحالة الإسباني من أصل إيطالي كريسوف كلومب القارة الأمريكية، اكتشف معها مادة التبغ التي كان يُعتقد بأنها دواء شافي لبعض الأمراض، ومع بدايات القرن السادس عشر الميلادي بدأت تنتشر عادة استهلاك هذه المادة في شكل سجائر انطلاقا من إسبانيا والبرتغال قبل أن تكتسح السيجارة العالم وتعود من جديد إلى بلد الهنود الحمر في شكلها الجديد· وغير بعيد عن إسبانيا انتشرت في الضفة الجنوبية للمتوسط عادة من نوع آخر·· التبغ لا يحرق في سجل سجائر وإنما تعاد معالجته إضافة إلى مواد أخرى ليوضع في الفم ويسمى ''الشمة''، أو يسحق تماما ليشم على طريقة الكوكايين والهيروين ويسمى في هذه الحالة ''النفة''، ولئن كانت النفة محصورة إلى حد ما لدى فئة محدودة من الناس، فإن شقيقتها الشمة كثير

زوكربيرغ و"الربعة دورو أنتاع الكبش"

الخير شوار لا يملّ الكثير من الجزائريين من مرتادي شبكات التواصل الاجتماعي من إعادة نسخ صورهم القديمة التي تعود إلى زمن الأبيض والأسود وإعادة نشرها من جديد، مثلما "يبدعون" في نشر كل ما له علاقة بطفولتهم أو ماضيهم البعيد نسبيا، من علب حليب "لحظة"، وعلب السجائر مثل "الأفراز" و"الصافي" و"النسيم"، وعلبة "الهقار" التي تمثل جماعة من التوارق جالسين وأحدهم واقف، التي تذكّر بنكتة مفادها أن أحدهم قال إنه لن يقلع عن التدخين حتى يجلس ذلك "التارقي الواقف"، حتى الأوراق والقطع النقدية على غرار ورقة الخمس دنانير "أنتاع الثعلب" وورقة العشر دنانير الكبير، أو حتى ورقة الخمسمائة دينار التي سُحبت بشكل مفاجئ من التداول سنة 1982 وكشفت حينها عن متسولين وفقراء يمتلكون الأكياس منها. ولا يتردد البعض في نشر روابط من اليوتيوب تمثل مسلسلات ذلك الوقت مثل "ستارسكي وأتش" والمسلسل الموسيقي الأمريكي "فايم" وغيرها كثير. أشكال كثيرة منشورة تملأ الفيسبوك، ربما لا تعرفها الأجيال الجديدة التي تعتمد لغة "العربيز

الباحث فوزي سعد الله: الفنانون اليهود غنوا التراث الجزائري الذي كان تراثهم بحكم انتمائهم للجزائر

يرى الباحث فوزي سعد صاحب كتاب ''يهود الجزائر•• مجالس الغناء والطرب'' الصادر حديثا عن منشورات ''قرطبة'' بالجزائر، أن علاقة يهود الجزائر بالغناء المحلي الجزائري، لم تكن طابو، لكنها تحولت إلى ذلك بفعل أسباب تاريخية معقدة، ويرى أن عودة بعض الفنانين اليهود إلى الغناء بعد انقطاع طويل يعود إلى أسباب كثيرة لا تخلو من التجارة، بعد أن أصبح هذا النوع من الغناء موضة في أوروبا، ويؤكد أن ارتباطهم بهذا النوع من الغناء وجداني ولا علاقة له بالسياسة: منتجين وإن نبغ بعضهم حاوره: الخير شوار وأنت الباحث في علاقة يهود الجزائر بـ ''مجالس الطرب'' المحلي، لماذا تحوّل هذا الموضوع إلى طابو؟ هل هي جناية السياسة على الفن؟ علاقة اليهود بمجالس الطرب الجزائرية لم تولد طابو كما تقول، بل تحولت إلى طابو لأسباب تاريخية • اليهود والمسلمون كانوا يغنون مع بعض في نفس المجالس، في نفس الأجواق الموسيقية، في نفس المدارس والجمعيات الموسيقية على غرار ''المطربية'' و''الأندلسية'' و''الجزائرية - الموصلية''، وحتى في جوق الإذاعة