التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

العودة إلى المنفلوطي

لا أحد من الكُتّاب تقريبا يجرؤ على الاعتراف بأنه تأثّر به، رغم أن قصصه و"رواياته" ما تزال تحقق أرقاما قياسية في المبيعات، إلى درجة أن بعض الناشرين كوّن ثروات "على ظهره"، بعد أن أصبحت كتبه تراثا "مشاعا". مصطفى لطفي المنفلوطي الخير شوار لم يكن يجيد من اللغات إلا العربية، ومع ذلك "ترجم" بعض الروائع الأدبية الفرنسية فأصبحت صياغتها العربية تُنسب إليه، وكان يستعين ببعض أصدقائه العارفين باللغة "الفرنساوية" لفهم السياق العام لتلك القصص ثم يعيد كتابتها بأسلوبه. هو مصطفى لطفي المنفلوطي ذلك الرجل ذي الشارب المعقوف والزي المصري التقليدي الذي أصبح القّراء العرب ينسبون إليه مثلا رواية "ماجدولين" مع أن مؤلفها الأصلي هو الفرنسي ألفونس كار، مثلما نسبوا إليه "بول وفرجينيه" لـ "برناردان دي سان بيار" وأصبحت تعرف بـ"الفضيلة"، فلا أحد يستعيد أحداث تلك القصة دون أن يغالبه الدمع وهو يتابع أطوار قصة الحب تلك التي جمعت الفتى بول بالفتاة فرجيني في جزيرة موريس قرب مدغشقر. نشأ المنفلوطي في بيئة تحتفي بالصنعة ا...

المسرح الجزائري و"حزن" اللغة

كانت المسرحية باللغة العربية "الفصحى"، وكان عنوانها "حزن السلطان"، مثلما قدّمتها المنشّطة التي تمنت للحضور سهرة سْعيدة (بتسكين حرف السين).   الخير شوار وبسرعة رُفع الستار وظهر "السلطان" جالسا على عرشه وهو يقول بلغة كاريكاتورية، وأحد حرّاسه يقف عند رأسه يحمل حربة: "كم حياتي حزينة، لن تستطيعون أن تعلموا كم من مليك يتعب في هذه الأريكة، أعرف قواتنا الابتكارية وثرواتنا ورزقنا الموروث، لكن تعب عميق تعب عميق، مثل المحيط، أحكم وأقبض والأيام تمضي والرؤوس تسقط ولا شيء يتحرك، إني حزين، حزين لأني بلا حب، إنني الأمير، الأمير بدون حب". وفجأة يدخل أحد خدمه وينحني ليقبّل يده ويبقي منحنيا، فينطق أحد المشاهدين قائلا بلغة محلية عاصمية: آيا اقتل السلطان يا خي طاعون ياخي.. ياخي قوقوعو يا خي"، وتنفجر القاعة ضحكا وتتسارع الأحداث وسط تثاؤب البعض، لتنتعش القاعة بشكل مفاجئ عندما ينهض أحد الشبّان يرقص بطريقة محلية ليشد إليه الأنظار ويضطر الممثلون لإنهاء "مسرحيتهم" والخيبة تملأ وجوههم. وكان الجمهور في الأصل "يتحمّل" ذلك العرض الممل الذي سب...

يوم الذي غيّر حياة تشارلز

لم يكن يصدّق عينيه وهو يمسك بتلك الصحيفة ويعيد قراءة أعلى صفحة بعينها مرة بعد أخرى، ما كان يصدّق أن تلك العبارة التي تحمل اسمه يمكن أن تطبع على الآلة وتصدر إلى جانب أسماء الأمراء والمشاهير .   تشارلز ديكنز الخير شوار نسي سنين تشرده الطويل ومبيته فوق القش وراح يجوب شوارع مدينة لندن ذهابا وإيابا دون أن يشعر بالتعب، حاملا تلك الجريدة التي نشرت إحدى قصصه لأول مرة بإمضاء "تشارلز ديكنز" الذي بدا له غريبا و"غير طبيعي" في ذلك السياق قبل أن يتكرس مرة بعد مرة لصبح واحدا من أهم الأسماء التي يحفظها الناس بمختلف طبقاتهم بعد ذلك . ربما كان في حاجة إلى تلك الكيلومترات الطويلة التي قطعها راجلا، حتى يستوعب الصدمة الأولى، التي وضعته في منعرج حقيقي، نحو غد مليء بالوعود الجميلة، مختلف تماما عن الماضي البائس. لقد حقق الخطوة الأصعب عندما أقنع محرري الجريدة بجودة عمله القصصي ذاك، ولم يبق أمامه إلا متابعة الطريق بأفكار مبتكرة في كل مرة تضمن له النشر المتواصل، وربما قاده وسواسه إلى احتمال آخر وهو أن الأصعب هو القادم وربما تخونه "قريحته" بعد ذلك وقد أصبح "عاريا...

زوكربيرغ و"الربعة دورو أنتاع الكبش"

الخير شوار لا يملّ الكثير من الجزائريين من مرتادي شبكات التواصل الاجتماعي من إعادة نسخ صورهم القديمة التي تعود إلى زمن الأبيض والأسود وإعادة نشرها من جديد، مثلما "يبدعون" في نشر كل ما له علاقة بطفولتهم أو ماضيهم البعيد نسبيا، من علب حليب "لحظة"، وعلب السجائر مثل "الأفراز" و"الصافي" و"النسيم"، وعلبة "الهقار" التي تمثل جماعة من التوارق جالسين وأحدهم واقف، التي تذكّر بنكتة مفادها أن أحدهم قال إنه لن يقلع عن التدخين حتى يجلس ذلك "التارقي الواقف"، حتى الأوراق والقطع النقدية على غرار ورقة الخمس دنانير "أنتاع الثعلب" وورقة العشر دنانير الكبير، أو حتى ورقة الخمسمائة دينار التي سُحبت بشكل مفاجئ من التداول سنة 1982 وكشفت حينها عن متسولين وفقراء يمتلكون الأكياس منها. ولا يتردد البعض في نشر روابط من اليوتيوب تمثل مسلسلات ذلك الوقت مثل "ستارسكي وأتش" والمسلسل الموسيقي الأمريكي "فايم" وغيرها كثير. أشكال كثيرة منشورة تملأ الفيسبوك، ربما لا تعرفها الأجيال الجديدة التي تعتمد لغة "العربيز...

عبد العزيز غرمول: روائي "أكلته" السياسة

لا يمكن للذي عرف عبد العزيز غرمول قاصا وروائيا متميزا في سياقه أن يسمعه خارج هذا الإطار يحلل في بلاتوهات بعض الفضائيات أو يخطب في جمع من الناس بغة عاطفية تقترب من الهم اليومي، مثلما يفعل السياسيون. الخير شوار يبدو الأمر أقرب إلى المشهد الروائي العبثي أو "الواقعي السحري" تماما كما قرأناه في رواياته "مقامة ليلية" و"عام 11 سبتمبر" و"زعيم الأقلية الساحقة". هو الروائي الذي "أكلته" السياسة مثلما "أكلت" بآلتها العمياء الكثير من الأحلام التي تحوّلت إلى كوابيس. حدث كل هذا في "عام 11 سبتمبر" الذي مازال متواصلا منذ تلك اللحظة "الهولويودية" التي اصطدمت فيها طائران ببرجين في نيويورك.   لقد احتاجت البشرية لدخول هذا العصر الجديد، بعض الطائرات المملوءة بالركاب المدنيين وبرجين كانا في الأصل مخصصين للتجارة العالمية ومشهد ناري من وحي هوليود، وكان ذلك يوم 11 سبتمبر من تلك السنة التي أعقبت سنة الألفية الجديدة التي سيسميها فيما بعد الروائي عبد العزيز غرمول "عام 11 سبتمبر"، على وزن "عام التيفوس"...

الشاعر بوزيد حزر الله: بسرعة "انتهى" إلى التجريب

" بسرعة" يتجاوز الشاعر بوزيد حرز الله نفسه، ليضع تجربته الشعرية أمام تحد جديد يلخصه في عبارة "انتهيت إليك"، العنوان المبدئي لمجموعته الجديد الجاهزة للنشر عن دار العين القاهرية .   بوزيد حرز الله الخير شوار ولأن بوزيد شاعر قلق، فقد يقدم على تغيير العنوان ليصدر في صيغة أخرى، وفي كل الأحوال، فإن العبارة بقدر بساطتها "الظاهرية" تحيل إلى عمق صوفي، وربما الانتهاءالوارد في الجملة لا يوحي بالنهاية بقدر ما يؤكد على المنتهى، وهي القمة التي يريدها أي مبدع ليجد نفسه مخيّرا بين هاوية سحيقة وبين قمة أخرى في جدلية لا تنتهي إلا بانتها التجربة الحياتية كلها .  لقد طوى الشاعر بوزيد حرز الله المسافات، وتجاوز تجاربه السابقة التي انطلقت من الكلاسيكية، لتدخل رحاب التجريب من أبواب متعددة، وفقدت القصيدة عنده اليقينيات القديمة من إيقاع وطول، لتعانق القلق النثري . وليس سهلا على شاعر نشأ داخل الشكل الكلاسيكي للقصيدة، بارع في الاوزان الخليلية وعارف بأسرار اللغة أن ينفلت من سياجها، لكن بوزيد نجح في ذلك وخلع عنه ثوب القدامة، ليحتضن قلق التجريب في كل مرة، وكم بدت صعبة تج...

أرقام وكلمات

يقول البلاغيون إنه «لا يجوز» كتابة أرقام داخل نص أدبي، بمعنى أن الأرقام لو وجدت وجبت كتابته بـ»لسان القلم» بتعبير لغة البنوك والمراكز البريدية. وتستمر جدلية الأرقام والحروف إلى ما لانهاية . الخير شوار ولعل أطرف ما يجمع بين الحروف والأرقام، تلك الطريقة التي كان يختم بها شعراء «عصر الانحطاط» نصوصهم، فقد كتب شاعر اسمه الدنجلاوي بيته: « فقلت لمن يقول الشعر أقصــر- لقد أرختُ: مات الشعر بعده»، حيث أن كل رقم من العبارة الأخيرة، يقابله رقم معروف وعند جمعه في النهاية نحصل على السنة التي توفي فيها الشخص الذي رثاه الدنجلاوي. والأطرف من تلك العبارة هي عبارة «في المشمش» التي سارت مثلا في الثقافة المصرية إلى غاية أيامنا هذه، وهي تعود إلى عصر المماليك وتؤرخ لوفاة السلطان برقوق، فكان البعض يسال: متى توفي السلطان برقوق؟ فيجيبه «العارف» بعبارة «في المشمش» التي عند ترجمة كل حرف إلى الرقم الذي يقابله نحصل على السنة المطلوبة. لكنها تحولت بعد ذلك إلى «مسخرة» تدل على التعجيز وطلب المستحيل . وتتواص جدلية الأرقام والحروف في عصرنا هذا بأشكال أخرى، لا تخلو من الاشمئزاز، فكثيرا ما تحدد الصحف والمجلّ...