التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

كالكامش، أبو العلاء وهمنغواي

ما الذي يمكن أن يجمع كالكامش بطل الملحمة الشهير بأبي العلاء المعري وأرنست همنغواي وكلهم نطقوا بلغات مختلفة وعاشوا في أزمة متباينة؟   الخير شوار كالكامش في الملحمة السومرية القديمة، بلغت مأساته عندما انطلق في سفره الطويل والتقى «الرجل العقرب» الذي خاطبه قائلا: ما الذي حملك على هذا السفر البعيد؟ وعندها أجاب يقول: «أتيت قاصدا أبي، أتو- نبتشم- باحثا عن الحياة، أبي الذي دخل في مجمع الآلهة، جئت أسأله عن لغز الحياة والموت». فهل قهر كالكامش الموت مثلما كان يبتغي؟ لقد كانت نهايته مأساة، ومن المفارقات أن تلك المأساة كانت في خدمة الفن، تماما على طريقة أبي الطيب المتنبي الذي جاء بعده بمئات السنين عندما قال: «مصائب قوم عند قوم فوائد» . كان ذلك الحال مع أقدم ملحمة ونص مكتوب في تاريخ الإنسانية (ملحمة كلكامش) التي كتبت بالخط المسماري منذ أزيد من أربعة آلاف سنة، ومازال صداها يتردد إلى الآن في مختلف لغات العالم وفي أذهان الملايين من المتلقين . وتحت عنوان «مصير الإنسان»، ومحاولة التعبير عنه بأشكال مختلفة، أنشئت الملايين من النصوص التي أضاعت أصحابها وأغرقتهم في الحزن والموت البطيء،...

«دون كيشوت» في الفايسبوك

لا يمكن أن ننسى أن الفن الروائي الحديث نشأ عندما ابتعد «جدنا» سرفانتس عن مغامرات الفرسان الخرافية وكتب عن خيابات فارس فاشل هو «دون كيشوت»، وربما أراد بذلك إنزال فن القصص الملحمي إلى الواقع اليومي المكبل بالفشل. الخير شوار ولئن كانت مغامرة «دون كيشوت» هزلية مضحكة فإن مغامرة كاتبها لم تكن كذلك وهو الذي سلك طريقا غير مسبوق بكل مخاطره وأسّس في النهاية لهذا الفن الذي استولى على ألباب الناس وأصبح «ديوان الأمم جميعا»، بمن فيهم العرب الذين لم يعرفوا «ديوانا» في السابق غير الشعر.   والمفارقة أن الرواية وبعد تطورها وتحولها إلى أشهر فن أدبي، وبقدر ما اقتربت من حياة الإنسان العادي، بقدر ما ابتعدت عن ذائقته الفنية وهذه هي المفارقة التي تدعو إلى التأمل، فكأن «الإنسان العادي» كره واقعه الذي يعرفه إلى درجة تجعله يتماهى مع أبطال خرافيين ولا يريد من أحد أن يذّكره بمأساته التي يعيشها بشكل مكرر في كل يوم. ورغم شهرة هذا الفن إلا أن طرق كتابته لا يمكن أن تحصى، فهي فن «السهل الممتنع» التي تجعل كل «مواطن» يعتقد أنه يمكن امتطاؤه، وقد تحول إلى «فن مستباح» على رأي بعض النقاد تطمح لكتابت...

كتاب "فجيعة التروبادور- سقوط سارق النار'' لبوعلام دلباني

''بروميثيوس'' الذي أطفأ القطار ناره   كتابان في كتاب واحد، ذلك الذي حمل توقيع الشاعر والباحث الجزائري بوعلام دلباني، والذي استعداد من خلاله ذكرى صديقه الراحل الشاعر عبد الله بوخالفة الذي أقدم على إنهاء حياته عندما رمى بنفسه أمام القطار في أوائل أكتوبر 1988، بينما البلاد تشهد أحداثا غيرت تاريخها بشكل جذري.    الخير شوار الكتاب المزدوج، صدر عن ''منشورات البيت'' بالجزائر، ويتمثل في دراسة عن الشاعر الراحل عبد الله بوخالفة، بعنوانين: ''فجيعة التروبادور''، و''جئت إلى هذا العالم لأختلف معه''. ثم منتخبات من شعره اختار لها المؤلف بوعلام دلباني عنوان ''سقوط سارق النار''. وانطلاقا من مقولة مشهورة للروائي الروسي الشهير مكسيم غوركي ''جئت إلى هذا العام لأختلف معه''، يبدأ الكاتب دراسته محاولا بكل جهده أن يتجرد من ذاتيته من أجل مقاربة موضوعية لظاهرة الشاعر عبد الله بوخالفة، الذي رحل بطريقة مفجعة عندما أقدم على إنهاء حياته في أجواء أكتوبر 1988 إيذانا من حيث لا يدري بجيل 1988 الشعري، وهو الذي...

محمد العروسي المطوي "فوق الشجرة"

الأديب الراحل محمد العروسي المطوي مع الروائي كمال الرياحي كانت مفاجأة مربكة جميلة، تذكرت من خلالها أنني بالفعل قرأت اسم «محمد العروسي» في تلك السنين البعيدة. فالصدفة وحدها دفعتني إلى ترميم بعض من ذاكرتي وأصحح المعلومة الموهومة وأقول إن أول كاتب قرأت له خارج المقررات المدرسية هو الروائي الراحل محمد العروسي المطوي. الخير شوار عندما حصلت على رواية «التوت المر» للتونسي الراحل محمد العروسي المطوي، من أحد باعة الكتب القديمة منتصف تسعينيات القرن الماضي، الصادرة عن الدار التونسية للنشر بغلاف أخضر، كنت أعتقد أنني بصدد التعرف على كاتب لم أقرأ له قبل ذلك، ولم يكن اسم محمد العروسي المطوي يوحي لي بأي شيء، لكن بعض كتاباته كانت تسكن عقلي الباطن دون أن أعي ذلك، وانتظرت سنين طويلة لأكتشف الأمر، وأقوم بعملية «ترميم» للذاكرة التي كانت تقول لي إن أول كتاب قرأته خارج المقررات المدرسية هو «ألف ليلة وليلة» وقد صرّحت بذلك مرارا في حوارات مختلفة . كان الحديث يدور حول «أبي فوق الشجرة»، الفيلم السينمائي الذي لعب بطولته عبد الحليم حافظ سنة 1969، وبقي ممنوعا من العرض تقريبا في مختلف التلفزيونات ...

مطعم ''هم•• هم'' و''القط بس بس'' ومقهى ''أشرب واهرب''

مطعم همي همي "المنشق" عن مطعم هم هم   " هم•• هم''، ''أشرب واهرب''، ''القط بس بس''••• وغيرها من الأسماء لمحلات تجارية، اشتهرت بغرابتها، ولئن كان لكل عنوان قصة، فإن القصة الكاملة لتلك التسميات تحيل إلى أحداث تاريخية معينة، كما تحين إلى فوضى لغوية، وغرابة ميول أصحابها الذين عملوا وفق قاعدة ''خالف تعرف'' جلبا للمزيد من الزبائن .   الخير شوار بأعالي القبة بالجزائر العاصمة، تقرأ لافتة مطعم مكتوب عليها بأحرف لاتينية hami hami وبخط يشبه إلى حد ما ذلك الذي كتب به رمز شركات الأكل العالمية مثل ''ماكدونالد'' و''كويك''... وغيرها• وبقدر ما كانت تلك التسمية طريفة وملفتة، بقدر ما جاءت غامضة وتحتمل عدة قراءات مختلفة ومتناقضة، فمنهم من يقول بأن واضعها قصد الـ ''هم•• هم'' بمعنى الأكل في الثقافة الشعبية، ومنهم من ربطها بالهمّ العربية، وقال إن الأكل هناك من شأنه أن يزيل هم الجوع • كان الوقت ظهرا، وحركة الزبائن في ذروتها، وكان العمال يرتدون أزياء موحدة ومكتوب عليها علامة...

الطاهر وطّار "يعود" هذا الأسبوع

الطاهر وطار لا ندري أي موقف سيتخذه وطار لو عاد هذا الأسبوع من هذا المشهد الدراماتيكي، لكنه لن يعود كما كان الشأن في قصته الشهيرة "الشهداء يعودون هذا الأسبوع".   الخير شوار من حوالي سنة كنت قد أجريت حوارا مطولا مع الفنان امحمد بن قطاف، وهو الذي اقتبس قصة الطاهر وطّار الشهيرة "الشهداء يعودون هذا الأسبوع" للمسرح منتصف ثمانينات القرن الماضي وأصبحت من كلاسيكيات المسرح الجزائري، سألته: لماذا لم تغيّر العنوان؟ وقد درج المقتبسون على ذلك، فأجاب إنه لم يجد اجمل من ذلك العنوان. ومع أن العنوان هو لـ"مجرد" قصة قصيرة فقد تحول إلى واحد من أشهر العناوين الأدبية بل إلى علامة مسجلة دخلت المخيال الشعبي من أوسع أبوابه. واليوم ونحن نستعيد الروائي الطاهر وطار الذي ملأ الساحة الأدبية حضورا منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، وغادرنا بشكل مفاجئ يوم 12 أوت 2010، يمكن أن نقتبس عنوانه الأشهر ونسأل: ماذا لو "عاد عمي الطاهر" هذا الأسبوع؟  وطّار الذي عاش شبابه الاول في تونس ونشر بواكير نصوصه هناك، وهو الذي قرأ بعمق أدب مخلف الاجيال هناك، لو عاد الآ...

محمود درويش في طبعته الثالثة

عندما رحل محمود درويش قبل أربع سنوات من الآن، لم يكن هو نفسه «شاعر الثورة الفلسطينية» الذي عرف قبل أوسلو، الشاعر الذي ارتبطت إصدارته بدار العودة بمجلداتها الصغيرة الحمراء، لقد انتقل قبلها سنين من «طبعة العودة» إلى طبعة «نجيب الريس»، متخليا عن يقينياته الكبرى لصالح شكه الكبير، وكان يفترض أن تقام تباينيات كبرى محمود الأول أواسط العقد الأخير من القرن العشرين .  الخير شوار مات بالفعل درويش في طبعته الأولى قبل ما يقارب العشرين سنة من الآن، وكان من تراث تلك المرحلة «مديح الظل العالي»، الذي خاطب فيه أبو عمار قائلا: «حاصر حصارك»، في زمن سفر الخروج الفلسطيني من لبنان سنة 1982، وانبعث من «رماد أوسلو»، شاعرا مختلفا تماما عن الأول، يمكن أن نسمه «درويش الثاني» ولئن كان درويش في صيغته الأولى «شاعر اليقين»، يقين الثوار، الذين يؤجلون أي نقاش إلى غاية الانتهاء من حروبهم (التي لا تنتهي)، فإن درويش في طبعته الثانية التي مرت هي الأولى بمراحل هو «شاعر الشك والحيرة»، وهل من الصدفة أن يغيّر درويش ناشره من «دار العودة» بخطها الملتزم، إلى «دار نجيب الريس» بخطها الليبرالي المنفتح على ث...